الجمعة، 6 يناير 2017

العرائش لم تـتـعرّض للإحتلال البرتغالي

    
 بقلم : عبد الحميد بريري

من الأخبار التاريخية الغريبة المتداولة في التاريخ المغربي ،اعتبار العرائش من المدن المغربية التي تعرضت للاحتلال البرتغالي في نهاية القرن15 و القرن 16 وخاصة لدى  أشهر المؤرخين المغاربة المعروفين، ولإزالة هذه الغرابة وإماطة اللثام عن غموض اكتنف  هذه اللحظة التاريخية من تاريخ العرائش وتوضيح الصورة للقارئ  المغربي  سنسوق مجموعة من المواد التاريخية التي تؤرخ لهذه الفترة ، والتي توضح ما نحن بصدده ، وضوح الشمس من القمر .  قد ندري سبب ذلك هو أن مؤرخينا عند جمعهم هذه الأخبار، اكتفوا بنقلها من مظانها دون التأكد من صدقها بعدة طرق ، أو الأخذ من  الرواية الشفهية المدونة من بعد  وقوع الحدث .  وهذا طبيعي لرعيل رائد مجتهد في كتابة التاريخ  المغربي  وتعريفه لنا ، وأسس لهذا المجال المعرفي في بلدنا  ، نعذرهم ونقدر مجهوداتهم الجبارة في جمع هذا الكم الهائل من المعلومات التاريخية  الأمر يتعلق بالمؤرخين  أحمد بن خالد الناصري وعبد الرحمان بن زيدان رحمهما الله أي ممن تعلق بهما هذا الخبر .
أحد المعاصرين ، وهو برتغالي عاش في أصيلا إبان الاحتلال البرتغالي لها ، دون الأحداث التي سمعها  أو شاهدها  حيث تضمنت معلومات دقيقة و جديدة عن تاريخ المغرب وجغرافيته خاصة في منطقة الهبط التي كانت مسرحا لها ،و في معرض حديثه عن رحيل أحد حكام أصيلا البرتغاليين إلى بلده ، وهي الفترة التي أشار فيها إلى وفاة  محمد الوطاسي (البرتغالي) ، مستغربا  من  المعاملة السيئة للسلطان المذكور مع البرتغاليين بجهاده لهم ، رغم تربيته له عندما سقط أسيرا لديهم حين هاجموا أصيلا  واحتلوها سنة 1471، والامتنان لأبيه الشيخ الوطاسي في السماح للبرتغاليين بالانسحاب من جزيرة المليحة العرائشية . تذكر الخطأ الذي ارتكبته بلاده بعدم احتلال العرائش إبانها ، قائلا بالحرف والكلمة ” … وقد شاهدت شخصيا ذلك الموقع (المليحة ) واصطدت فيه بعض الخنازير البرية ، ووقفت على الخطأ التي ارتكبته بلادنا ( بالانسحاب منه) أمتنع عن الحديث عن تلك الواقعة طالما أننا لا نزال نلاحظ استمرار حكامنا في ارتكاب الأخطاء الفادحة ؛ الواحدة تلو الأخرى. فلتوفير مبلغ خمسة عشر ألف ( كروزادو ) كانت تنفق سنويا في الدفاع عن أصيلا ،تبدر الدولة حاليا أكثر من مائة ألف ريال يوميا . ولكي لا ينفقوا عشرة آ لاف ( كروزادو ) أخرى لاحتلال العرائش واستيطانها ، هاهم ينفقون اليوم مليون (كروزاد ) ذهبية للحفاظ على مازيغن ، دون أن يضمن أمننا ، أو يحمينا من الهجمات التي نتعرض لها يوميا ، وهو ما كان احتلال العرائش سيضمنه بالتأكيد إننا نعلم جميعا أن أهم سبب يجعل الأتراك يطمعون في مملكة فاس ، هو نهر العرائش ، لأنه أحسن انهار البلاد ،فضلا عن دور ميناء المدينة بالنسبة لكل أصيلا والقصر الكبير …”(1) . فإذا كان برتغاليا يلوم بلاده على عدم احتلال العرائش للاعتبارات التي ذكرها وهو الذي كان يتردد عليها ويزور فيها صديقه العرائشي علي روندين . فما بالك ممن جاء من المتأخرين منا وأتى بالخبر المخالف ..
إذن من خلال هذا النص، يتبين لنا وقد شهد شاهد من أهلها ، أن البرتغاليين لم يحتلوا العرائش وأنها بقيت تقلقهم ، تثير الرعب فيهم وتهدد أمنهم ومصالحهم التجارية مع أن شاهدنا يعترف بموقع العرائش الإستراتيجي القادر على  حمايتهم في بلدهم وفي مستعمراتهم لكن شيئا من هذا لم يتحقق رغم متمنياته له، لكن صاحبنا هذا لم يعلم السبب الحقيقي الذي يفهم بصريح العبارات  من المراجع التاريخية لهذه الفترة  وراء عدم تمكنهم من ذلك وظلت حاجزا أمام تحقيق مطامعهم فيها ، إنها المقاومة العرائشية المغربية التي تصدت بكل قوة لمحاولات  احتلالها خاصة بعدما أصبحت القاعدة البحرية المتقدمة في مواجهة الأطماع البرتغالية بعد احتلال معظم الثغور الشمالية القريبة من أوربا ، وزادها منعة ونفورا  الدولة الوطاسية التي حصنتها وسورتها وجلبت إليها جيش نظامي ومدافع يحرسونها ليل نهار من كل طامع فيها أو مهدد لها ..
ولن أقف إلى هذا الحد من الاستدلال فلا بد من إضافة ما يعضد هذه الشهادة ويعطيها الحجية التاريخية ، وهذه المرة شهادة من مغربي دون أحداث المغرب  الوطاسي هو الكراسي(2)  حيث  أشار إليها في منظوماته المشهورة من المدن التي عمرت أثناء حكم الملك الوطاسي محمد بن الشيخ  مقطع جاء  في كتاب تاريخ تطوان ، يشيد فيها بإنجازات الدولة الوطاسية
وقام من بعد ابنه المجاهد     محمد السلطان ليث عاهد
أعطاه ربي النصر حيثما بدا     اطلع في المغرب بدرا وهدى
زانت به الأرجاء والقصور     وعمرت في وقته الثغور
زاد على ماكان فيها من عمل     بعد أبيه وبه السعد اكتمل
كمثل تطاون والعرائش     ولم يكن في قوله بفاحش (3)
فهذه الأبيات دالة على السيادة المغربية للمدينة . وإن كانت في يد البرتغاليين ما كان ليذكرها الكراسي كما لم يذكر طنجة وأصيلا المحتلتان فعلا من طرفهم . الحسن الوزان ليون الإفريقي ، موسوعة عصره الجامع بين ثقافة الشرق والغرب  الذي لم يخف صغيرة ولا كبيرة عن مغرب هذا العصر إلا وعددها  في كتابه وصف إفريقيا  حيث أشار إلى اهتمام الدولة الوطاسية بالمدينة  بتعميرها وتحصينها وحمايتها ” …حيث عزم أحد ملك فاس الحالي على إعادة تعميرها ، فحصنها تحصينا منيعا . وقام بها حامية دائمة مزودة بالأقوات اللازمة ، لأنه كان شديد الحذر من البرتغاليين ..”(4) هذه أدلة معاصرين نكتفي بها لنفي الخبر الذي جاء به الناصري في كتابه الاستقصا ص: 110 الدولة المرينية القسم الثاني الجزء الرابع دار الكتاب الدار البيضاء 1955- عند ذكر العرائش من جملة المدن التي احتلتها البرتغال في بداية القرن 16  أي بالضبط سنة 910 هجرية والتي لا تعدو أن تكون إلا محاولات احتلال كالتي تعرضت لها العرائش سنوات 1489 و1504 و1508 و1522 …ميلادية والثانية منها هي التي قد توافق تاريخ الناصري فاخبر على احتلال للمدينة قد وقع .اما ما تضمنه كتاب أتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس لعبد الرحمان بن زيدان في الصفحة 72 منه – الطبعة الأولى سنة 1931 – حيث لم يكتف بنقل الخبر نفسه بل وزاد من تكثيف الغموض عن تاريخ مدينتنا إذ ذكر فيه أن العرائش بعدما هدمها أسطول الإفرنج سنة 667 هجرية “بقيت على خرابها إلى سنة 910 ه فنزلها البرتغاليون وبنوها وعمروها إلى أن أخرجهم منها المنصور السعدي سنة 986 ه فاعتنى بها وحصنها و بنى قصبتها ” فهذا خبر غريب ، يحدد أمد الاحتلال ويجعله إلى ما بعد معركة وادي المخازن ويتجاهل الدور الجهادي للعرائش التي أزعجت به العالم الأوربي . وهو الأمر الذي لا نجده في اغلب المصادر التاريخية مع العلم أن العرائش كانت تتصدر مشهد الأحداث عشية المعركة والتي كانت العرائش سببها الجوهري . إذ كان سبستيان يرغب في ضمها إلى العرش البرتغالي بعدما أصبح التهافت العثماني الأسباني على أشده ، حيث خطط لاحتلالها من البحر لكن بشكل فجائي يغير خطته هذه بأن أعماه جموحه وجبروته وأراد تحقيق رغبته بنوع من التحدي والاستفزاز لكل المغاربة باحتلال العرائش عن طريق البر . ارتمى نحو مغامرة ظنا منه انه قادر على تحقيق ما لم يحققه أسلافه من الآسرة الحاكمة في انتزاع العرائش . كانت نتيجتها ما لم يكن في الحسبان ، انقضاء العهد الزاهر  لأسرة أفيش من حكم البرتغال ، وانتهاء أعتى إمبراطورية عرفها التاريخ البشري .  كانت العرائش بالفعل موضوع الساعة بين الإمبراطوريات الثلاث العثمانية والإسبانية والبرتغالية قبيل المعركة  الحاسمة في الوقت نفسه دخل بها السعديون على الخط لربح رهان  المعركة الدبلوماسية  (5).هذا وإن دل على شيء فإنما يدل على  أن العرائش كانت تابعة لسلطة المغاربة ولا لوجود سلطة غيرهم عليها .


والمتصفح لتاريخ المغرب في الوثائق التاريخية الغير المنشورة أيضا ، يلمس أن العرائش لعبت دورا طلائعيا في الدفاع عن الدين والوطن  وقد خول لها ذلك  موقعها الإستراتيجي والهجرة الأندلسية إليها وملاذا آمنا لكل من أسلم من المسيحيين  . لكن هذا الدور ، مع الأسف ، يغيب في كتابة اغلب المؤرخين المغاربة المعاصرين .
البرتغاليون في هذا الوقت لم تكن تطأ أقدامهم العرائش حتى أخرجهم منها المنصور كما اخبر بذلك ابن زيدان وعبد المالك السعدي حينها  ” يأمر السفن في العرائش وسلا وصار اهل الأندلس يسافرون في البحر مع أهل المغرب وضيقوا بالنصارى اشد تضييق وكثرت الغنائم …”(6) . ويرسل رسالة ينبه فيها أخاه المنصور والي فاس وأعمالها إلى خطورة إهمال ” الجند الذي بالعرائش ” وطبول الحرب تدق . (7) وما ان وضعت الحرب أوزارها حتى هب المنصور لتحصينها تحصينا جيدا فبنى بها حصنين عظيمين هما الفتح والنصر ، وصف أحدهما وزيره الفشتالي أنه” لم يرمثله “، مخيبا لآمال فليبي الثاني في  أخذ العرائش التي تساوي عنده أفريقيا* كلها بالطرق الدبلوماسية بعدما كان يمنيه بها لسنوات اتقاء لاحتلالها بالقوة .
نكتفي بما أدرجناه من أدلة واضحة ، مؤكدين أن العرائش لم تحتل من البرتغال بل ظلت مستقلة تمارس الجهاد البحري كتطوان وسلا ومنها بدأ قبل أن يتركز في المدينة الأخيرة

1.   برناردو رودريكس حوليات أصيلة (1508-1535) مملكة فاس من خلال شهادة برتغالي تعريبالدكتور احمد بوشرب ص : 431 و 432 الطبعة الاولى 2007 دار الثقافة
2.   الفقيه القاضي أبو القاسم أو ابو عبدالله محمد بن عبدالرحمان الأندلسي البقيوي تولى القضاء في تطوان الى ان مات سنة 964 ه /1559 وعمره 90 سنة لقي مشايخ غرناطة ومشايخ فاس كالونشريسي وابن غازي وزروق – تاريخ تطوان ص:148 المجلد 1 محمد داود
3.   تاريخ تطوان المرجع السابق ص:151
4.   وصف إ فريقيا الحسن بن محمد الوزان الفاسي المولود سنة 828 ََّّْ \1488 م الجزء الأول ص : 233 و 234
5.   وقعة وادي المخازن في تاريخ المغرب الدكتور أستاذ التاريخ الحديث إبراهيم شحاته حسن الطبعة الأولى 1979 البيضاء ص : 184 و186 ـ 202 و217 ـ 225 و 231. معركة وادي المخازن بين الملوك الثلاثة ترجمة وفاء موسى ويشو ، حسين حيدر لصاحبه يونس نكروف ص: 71 و72 ـ ص : 162
6.   تاريخ الدولة السعدية التكمدارتية المؤرخ المجهول تقديم وتحقيق عبدالرحيم بنحادة طبعة 1994 النسخة المعتمدة مخطوط باريس ص : 53
7.   الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى احمد الناصري تحقيق وتعليق ابني المؤلف جعفر ومحمد دار الكتاب الدار البيضاء 1954 } 5: 66 و67
*يقصد بها المغرب


البنك المخزني المغربي بالعرائش 1924


محمد عزلي    

الذكرى المئوية لمبنى البنك المخزني المغربي 1924-2024

البنك المخزني المغربي سابقا، أو  Banco de Estado de Marruecos " كما كان يطلق عليه في عهد الحماية، تم تشييد المبنى في بداية عشرينيات القرن الماضي بشارع الملكة فكتوريا آنذاك (شارع محمد الخامس حاليا) بهندسة معمارية نيو-عربية، وهو واحد من أجمل المباني المؤثثة للإنسانتشي الإسباني بالعرائش (مشروع التوسعة العمرانية) خارج أسوار المدينة العتيقة في القرن العشرين، افتتحت المؤسسة البنكية أبوابها في هذا المبنى بتاريخ 19 غشت 1924، وقد عرف حفل الافتتاح حضور مدير البنك المركزي بطنجة خوليو كاريو الذي ألقى كلمة بالمناسبة أشاد من خلالها بالجهد المبذول وجودة العمل وفخامة المبنى، كما أشار  إلى أهمية الدور المنوط بهذه المؤسسة المالية، والمتمثل بالدفع باقتصاد المنطقة والتسريع في دينامية الإقلاع التجاري والصناعي والفلاحي للمدينة ومنطقة لوكوس التي كانت تضم أيضا مدينتي القصر الكبير وأصيلة وسائر بلاد الهبط، وقد شهد حفل افتتاح البنك المخزني المغربي حضور شخصيات رسمية وعسكرية ومدنية بارزة، منها القنصل الإسباني بالعرائش إيميليو زابيكو، والدوقة إيزابيل أورليان وريثة العرش الفرنسي التي عاشت وماتت بالعرائش، وهي الأميرة الشهيرة محليا باسم "دوكيسا" رفقة بناتها الأميرات، كما حضر الجنرال المسؤول عن المنطقة آنذاك خوان فرنانديز غارسيا.. إضافة إلى ممثلي الصحافة المحلية.

أما عن مسألة إحداث البنك المخزني في المغرب، فقد بدأت فصولها منذ حرب تطوان 1860 وما خلفته من استنزاف لخزينة الدولة نتيجة الغرامات التي فرضت عليه، ثم فشل محاولات الإصلاح النقدي الذي تسببت فيه عوامل داخلية أهمها وفاة السلطان الحسن الأول، وعوامل خارجية تجلت في مخرجات مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 الذي تمخض عنه إعداد قانون خاص بالبنك المخزني صادقت عليه الجمعية العامة للمساهمين بتاريخ 25 فبراير سنة 1907. وكان البنك عبارة عن مؤسسة دولية برأسمالها وإدارييها وموظفيها، وكذا القوانين التي تسيرها، اتخذ مقره الرئيسي في طنجة على أن يفتح فروعا له في مدن المغرب الرئيسية، وكان على الدولة المغربية آنذاك توفير الوعاءات العقارية اللازمة لإقامة وكالات البنك ثم إعفاؤه من كل الضرائب، أما رأسمال البنك، فقد تم تحديده في 15.400.000 فرنك، وقسم إلى أربع عشرة حصة من 2200 سهم بقيمة 500 فرنك، وخصصت اثنتا عشر حصة منها للدول الموقعة، واثنتان لمجموعة البنوك الفرنسية صاحبة امتياز قرض 1904. وعهد بالتسيير إلى مجلس إدارة مكون من أربعة عشر عضوا، يختارهم الجمع العام للمساهمين، وتم التنصيص على أن يعين كل من بنك ألمانيا وبنك إنجلترا وبنك إسبانيا وبنك فرنسا مراقبا يمثله بالبنك المخزني، وذلك للتأكد من حسن سير العمل، واحترام بنود الامتياز، ومراقبة العمليات المرتبطة بتحسين وضعية العملة. ومن جانب آخر، نص الميثاق كذلك على ممارسة الدولة المغربية للرقابة على البنك بواسطة مندوب سام ليس لديه حق التدخل في الإدارة والتسيير، وإنما يحق له الاطلاع على سير عمل البنك، ومراقبة إصدار الأوراق المالية، وضمان احترام مقتضيات الامتياز، كما كان عليه التوقيع على الأوراق المالية و/أو ختمها، والإشراف على علاقات البنك بخزينة الدولة، ومن أهم الإنجازات التي قام بها البنك، هي تولّيه سك القطع النقدية الفضّية من فئة «الحسني» وإصدار أولى الأوراق البنكية، وفي مارس 1920 تقرر إلغاء عملة «الحسني» وتعويضها بأوراق بنكية وقطع نقدية بالفرنك المغربي، وتم تخويل البنك المخزني امتياز الإصدار  إلى غاية سنة 1946. وبعد استقلال المغرب تمّ في فاتح يوليوز 1959إحداث معهد إصدار وطني صرف يحمل اسم «بنك المغرب» بموجب الظهير الشريف رقم 233-59-1المؤرخ في 23 ذي الحجة 1378 (موافق 30 يونيو 1959)، وذلك ليحلّ محلّ «البنك المخزني المغربي» الذي توقّف نشاطه بصفة رسمية.

 

روابط مرجعية:

·       https://larache-historia.blogspot.com/2010/02/el-banco-de-estado-de-marruecos-en.html

·       https://sergiobarce.blog/tag/banco-hispano-americano-de-larache

·       https://larachearchives.blogspot.com/2017/07/blog-post_8.html

·       https://www.todocoleccion.net/postales-africa/larache-28-banco-estado-marruecos-ediciones-carmen-cremades-fot-mediamarca~x32031592

·       https://www.bkam.ma/ar/

·       https://larachearchives.blogspot.com/2018/08/1860.html






الخميس، 5 يناير 2017

لا كراسيوسا: المعركة التي أعادت العرائش إلى مسرح التاريخ العالمي


بقلم: عزيز قنجاع    

تبدو المعارك التي شهد رحاها وادي اللوكوس كثيرة ومتنوعة فبعد ان عملنا على استجلاء ما خفي من معركة العرائشيين ضد الاسطول النمساوي وتوقيع معاهدة استرياك. سنحاول ان نميط اللثام عن تفاصيل معركة تكاد تكون مجهولة لدى المغاربة لعدم اهتمام مصادرنا التاريخية بها والاكتفاء ببعض الشذرات الشحيحة بالنسبة لتلك التي ذكرت المعركة، وبإشارات سريعة كما نجدها عند احمد ابن القاضي في كتابه “لقط الفرائد” وكذلك المؤرخ محمد الكراسي صاحب ارجوزة “عروسة المسائل فيما لبني وطاس من مسائل” والنص الذي تركه لنا الحسن الوزان المعروف ب “ليون الافريقي” في كتابه “وصف افريقيا”. وقد كانت هذه الواقعة نتيجة لأول محاولة برتغالية جدية للتوغل داخل الأراضي المغربية، فإلى حدود سنة 1489 كان البرتغاليون يكتفون بالحصون والمدن الساحلية، وقد استهدفت المحاولة التحكم في مجرى نهر اللوكوس والتمركز على حدود مدينة القصر الكبير التي كانت تعتبر القاعدة الهجومية الخلفية للمغاربة ضد التواجد البرتغالي باصيلا وطنجة. والاستيلاء عل السهول الممتدة على طول مجرى النهر لضمان التمويلات الغدائية للمدينتين المحتلتين بشمال المغرب نظرا لما أصبحت تشكله المدن المحتلة بالشمال المغربي من عبئ على خزينة الدولة البرتغالية حيث اشار المؤرخ لانوي وفان دير لاندر في كتاب “تاريخ التوسع الكولونيالي للشعوب الاوروبية ” الى ان المدن المغربية الاربعة المحتلة بشمال المغرب كانت تستهلك عشر مداخيل البرتغال، فكانت محاولة تشييد مدينة، حسب بعض المؤرخين، او تشييد حصن حسب آخرين في أعالي مصب نهر اللوكوس او “الاستيلاء على مدينة صغيرة قديمة ” كما اورد ذلك الحسن الوزان في موسوعته وصف افريقيا، كمحاولة من الرتغاليين لفك الحصار الاقتصادي عن مستعمراتهم و تجديد ارتباط المدن بضواحيها و التحكم في السهل الخصب و محاصيله.


1-   دواعي احتلال جزيرة " لاكراسيوسا "


اختلفت المصادر في تحديد الموقع المسمى المليحة او لاكراسيوسا حسب التسمية البرتغالية، لكنها اتفقت ان الموقع كان يوجد بين مدينة العرائش والقصر الكبير، صادف الاستيلاء على المليحة والجلاء عنها عهد الملك البرتغالي خوان الثاني” 1481-1495 الذي يوافق بالمغرب عهد مولاي الشيخ ابي عبد الله محمد الشيخ الوطاسي مؤسس دولة بني وطاس” 1471-1496 وقد تمكن الشيخ محمد هذا من توقيع معاهدة سلام لعشرين سنة وقعها اب الملك البرتغالي خوان الثاني مع محمد الشيخ. الا ان الضربات الموجعة التي كانت تتلقاها المدن المحتلة كطنجة وأصيلا انطلاقا من مدينة القصر الكبير جعلت الملك البرتغالي “دون خوان الثاني” يفكر في تشييد قاعدة عسكرية تقطع الطريق على هجومات المغاربة على أصيلة وطنجة بالتمركز بأعالي مصب نهر العرائش،

استقر البرتغاليون سنة 1489 في المليحة ” la graciosa”.بغرض تأسيس قلعة ، لكن ظروفا عديدة حالت دون ذلك ولم يتمكنوا من إتمام عملهم خلال الأشهر القليلة التي مكثوا هناك ” من مارس الى غشت ”  فقد وصلوا اليها في البعثة الأولى في اسطول مكون من اربعة مراكب خرجت هذه البعثة ترجيحا في شهر مارس 1489 بقيادة الجنرال كاسبار جوسارت مكونة من 160 رجلا في مهمة  بناء حصن عسكري في أعالي مصب نهر اللوكوس و بتتبع تقدم الاحداث نجد عند متم شهر يونيو انه كان بالمليحة حوالي 500 جندي برتغالي بجزيرة المليحة وذلك حسب ما أورده الباحث طوماس غارسيا فيغيراس في هذا الموضوع.

 

2-    رد الفعل المغربي


على اثر ذلك تحرك الجيش المغربي تحت قيادة  ملك فاس الشيخ ابي عبد الله محمد الشيخ الوطاسي وأخيه مولاي يحيى واخذوا مواقعهم حول الموقع بأربعين الف فارس ومشاة لا عد لهم، واعتقدوا انهم سيخضعون الموقع بسهولة نظرا لقلة عدد البرتغاليين فهاجموا الموقع بقوة ومن كل الجهات، وحاصروا النهر عبر الضفاف لعرقلة أي مجهود للنجدة او التموين فأرسل الملك البرتغالي تعزيزات قادها احد جنرالاته في 1000 من الرجال استطاعوا بفعل مدفعيتهم واستماتتهم من جعل المغاربة يلجؤون لحصار الموقع، فرغم التفوق العددي للجيش المغربي الا ان الحنكة العسكرية و الآلات الحربية المتطورة التي كان يتوفر عليها البرتغال بموقع المليحة اضطرتهم الى اعتماد اسلوب الحصار الطويل الأمد، بعد ان كادت حركة الامير الوطاسي ان تفشل بسبب ” الرمي المستمر للمدفعية البرتغالية الكثيفة المرعبة ” حسب ما ذكره حسن الوزان في كتابه السالف الذكر. وتعزو الرسالة التي وجهها ملك البرتغال الى البابا- والتي سنعود الى ذكرها بعد قليل-  صمود ثلة صغيرة من الجند البرتغالي في وجه العسكر المغربي الى “خبرة البرتغاليين في الدفاع عن الحصن الذين عرفوا كيف يعززونه بسور وخندق وحائط منحدر مشرف على الخندق، واضعين حوله مدافع وآلات أخرى بالإضافة إلى المجانيق ” وكتب في نفس السياق طوماس غارسيا فيغيراس ” لما رأوا- المغاربة – الخسارة التي تسببها أسلحة النصارى وطلقات النار الثائرة قرروا محاصرة الموقع من بعيد” فلجا المغاربة الى قطع النهر بحاجز قوي مملوء بالأحجار تحت القلعة قريبا من مصب النهر وصار النهر بذلك غير صالح للملاحة بالنسبة للسفن الكبيرة والصغيرة فوقع اليقين بعدم إمكانية النجدة من جهة البحر” وتطلعنا الرسالة السالفة الذكر والتي بعثها ملك البرتغال الى البابا “انوصانت الثامن” والتي نتوفر على نسخة منها من تعريب الدكتور احمد بوشارب، نجد نفس الرواية بتعديلات طفيفة حيث تقول الرسالة ان: “المسلمين استقروا على ضفتي النهر فسدوا وقت الجزر بالحجارة نهر العرائش الذي كان يسمح وقت المد بوصول الزاد الى قصرنا لان النهر غير عميق ببعض الأماكن خصوصا في الصيف ووقت الجزر، كما حصنوا كل ضفة بحائط متين من الحجارة والخشب حيث وضعوا على كل جانب آلات موجهة نحو النهر ومنعوا السفن من الدخول  اليه وحالوا بذلك دون وصول الزاد الى جنودنا” مما يدل على ان الرواية الرسمية البرتغالية استقرت على امر واحد. وبالالتفات الى المصادر المغربية القليلة التي أوردت أخبار هذه الواقعة نقرا عند الحسن الوزان المعروف بليون الإفريقي ما يلي:” لكن بعضهم نصحه – أي نصح الملك الوطاسي – بان يأمر بصنع تحصينات من الخشب في وسط النهر على مسافة نحو ميلين من سافلة الجزيرة، وقطعت الأشجار المجاورة تحت حماية هذه التحصينات. وبعد قليل من الوقت وجد البرتغاليون ان مدخل النهر قد سد في وجوههم بجذوع أشجار ضخمة بحيث لم يعد باستطاعتهم الخروج بأسطولهم” تشبه الخطة التي ذكرها الوزان هنا الخطة الحربية التي سيستعملها سكان العرائش لمنع الاسطول النمساوي من التقدم في نهر اللوكوس لاحقا سنة 1829 غير ان مسالة استعمال سد من الحجارة التي ذكرها الملك في رسالته الى البابا وأكدها الباحث طوماس غارسيا فيغيراس سيذكرها كذلك محمد الكراسي المصدر المغربي الذي عاصر المعركة والذي أرخ لها من خلال ارجوزته حيث قال:

وكانت من ذا الرئيس الحبيب                    راى ســـديد ردهــم جـليــب

ان قطتــع الوادي بجعل سـلل                    من قصب وبالصخور تمتلي

انـــزلـها بــعمـل التــثـبـــيت                     وقـــطع الـــوادي بــلا تثـليت

وامـــتنع الطــــلوع بالجــفان                     فــــأيقــنوا بــساعة الخـسران

عمل في ذاك وشدا العــملا                      وفوق سرجه الصخور حـملا

حــتى إذا أبطل قصدا وعلا                      أبــطل للــكافر مـا قــد أمــلا

مما يؤكد لجوء القوات المغربية الى استعمال الحجارة لصنع هذا السد، وأمام هذا الوضع استنفر الملك البرتغالي قواته وأصدر عفوا عاما عن الهاربين الذين يذهبون للخدمة ضمن “اسطول العرائش” كما أسمته المصادر البرتغالية فخرج اسطول للنجدة بقيادة القائد ايريس داسيلفا الذي لم يفلح في اجتياز السد الحجري الذي أقامه المغاربة عند مصب نهر اللوكوس بالإضافة إلى المناوشات الشرسة للجيش المغربي.

 

3-   الاستعجال الى المفاوضات وتوقيع الهدنة

يرجع حسن الوزان دخول الملك الوطاسي في مفاوضات مع الجانب البرتغالي الى انه “فكر في انه سيعرض للخطر ارواح كثيرة من رعاياه” و تأكد له ان النصر رغم إمكانيته القائمة الا انه ” سيكون ثمن هذا الانتصار خسائر جسيمة، فدخل في مفاوضات مع قائد الاسطول” وتجمع المصادر البرتغالية الى ان قرار الملك البرتغالي الحضور بنفسه لانقاد حاميته بالمليحة اثار رد فعل الملك الوطاسي فقدم مقترحات لرفع الحصار شريطة الانسحاب من المليحة، وكان جواب القائد داسيلفا اشتراط خروج الجميع سالما باسلحته و مدافعه و خيوله، وفي الرسالة التي ارسلها الملك البرتغالي الى البابا انوصانت الثامن المشار اليها انفا والتي نشرها الدكتور احمد بوشارب في كتابه ” وثائق ودراسات عن الغزو البرتغالي و نتائجه” نقرا ان سبب الجلاء عن المليحة بالنسبة للبرتغاليين يعود الى سببين اثنين اولا “اغلاق النهر في وجه المراكب البرتغالية ومنع المحاصرين الذين كانوا داخل الحصن من التوصل بالمساعدة، اما السبب الثاني فيكمن في “تفشي الحمى نظرا لكثرة المستنقعات الشيء الذي دفع بالمسؤولين بالجلاء عن الحصن” ويشير فيغيراس حقا الى المرض الذي الم بالقائد المسؤول عن موقع المليحة خوان داسيلفا وقيادة الحملة بعد ذلك من طرف دون خوان رودريغيز دي سوسة” و يفيدنا محمد الكراسي في الأسباب التي يمكن اعتبارها حاسمة في استعجال الملك الوطاسي امر المليحة وعقد الهدنة مع البرتغاليين، حيث أشار في أرجوزته الى الفتن الداخلية خصوصا عصيان قبائل الشاوية.والتي كانت وراء استعجال الملك الوطاسي عقد الهدنة وتوقيع معاهدة صلح المليحة حيث قال:.

وكان للسلطان ضد خالفه       شاوية وغيرها مخالفة

فخاف ان ابطا شهر اخر      عواقبا لا مثلها يــــؤخر

و يبدو ان الظروف لعبت دورا كبيرا في توقف المشروع البرتغالي وانتهاء امر المليحة على ذاك الحال حيث اجتمع الطرفان للتفاوض بعد هذه الواقعة بقرية تشميس وهي مدينة ليكسوس الاثرية  قرب مصب نهر اللكوس وتم إمضاء المعاهدة يوم 27 غشت 1489 وتوارب المصادر البرتغالية حين تقدم انسحابها من المليحة على انه انتصار البرتغاليين رغم ذلك بعد حصولهم على تنازلات ترابية كبيرة فبالاضافة الى ما كان بايدي البرتغاليين تنازل لهم اللك المغربي عن اراضي اخرى خصبة حيث يفهم من سياق الرسالة السالفة الذكر ان المعاهدة مع ملك مملكة فاس لا تجعل حدا للنشاط العسكري البرتغالي بل تسمح لهم بمتابعة الحروب التي اعلنوها على الاسلام به. وكان كل ما اعترفت الرسالة به هو تبادل الرهائن، اما المصادر المغربية القليلة التي ذكرناها تؤكد على هزيمة البرتغاليين وذكرت انهم أرغموا على تقديم فدية مهمة مقابل سماح الملك الوطاسي لهم بالانسحاب الا انها اشارت الى ان الملك الوطاسي لم يكن مستعدا للاستمرار في الحصار حتى الانتصار النهائي على برتغالييي المليحة وإذا كان الحسن الوزان المعروف بليون الافريقي قد سكت عن الأسباب فان صاحب محمد الكراسي صاحب عروسة المسائل كما رأينا يرجع الاسباب الى الفتن الداخلية.

 

4-   مدينة العرائش والعودة الى مسرح التاريخ


لكن ما راعنا ونحن نتتبع اخبار هذه الواقعة التي لم يرد ذكرها ضمن المتون التاريخية المغربية الكبرى هو غياب مدينة العرائش في هذه المرحلة التاريخية ويطرح السؤال هنا بالحاحية كبرى: لم لم تلعب العرائش أي دور عسكري في معركة “لاكراسيوسا”؟ فلولا الإشارات البرتغالية القليلة التي تسمي نهر اللوكوس بنهر العرائش، وخصوصا الرسالة التي استعنا بها هنا والتي بعثها ملك البرتغال خوان الثاني الى البابا “انوصانت الثامن” لاعتقدنا جازمين ان مدينة العرائش لم تكن قد بنيت بعد وهو الأمر الذي وقع فيه المؤرخ المغربي الكبير عبد الوهاب بنمنصور عند تحقيقه لمخطوط محمد الكراسي “عروسة المسائل” التي اعتمدناها كمصدر لهذه الدراسة حيث قال هذا المحقق الكبير والمؤرخ الفذ” العرائش لم تكن موجودة آنذاك” بدون تثبيت او تحقق. ونحن بالمقابل نميل الى الاعتقاد ان العرائش انذاك كانت خالية من السكان بعد التهديدات الجدية التي كانت تتلقاها من البرتغاليين بعد احتلال اصيلا، و تنازل محمد الشيخ عنها للبرتغاليين سنة بعد معاهدة اصيلا سنة 1471 وفي ذكره للمليحة واحداث المعركة، يقول الحسن الوزان الملقب بليون الافريقي في كتابه الموسوعي الكبير وصف افريقيا الجزء الاول الصادر عن منشورات الجمعية المغربية للتاليف و الترجمة و النشر سنة 1980 صفحة 233 ” في الوقت الذي كانت فيه طنجو و اصيلا خاضعتين للمغاربة كانت العرائش كثيرة السكان ، لكن بعدما سقطت هتان المدينتان في يد النصارى غدت العرائش مهجورة الى ما يقرب من عشرين سنة من ايامنا هذه ” و بالعودة الى تاريخ تاليف كتاب “وصف افريقياط الذي الفه الحسن الوزان بايطاليا بطلب من البابا ليون العاشر والذي يوافق سنة 1526 فان مدينة العرائش اعيد بناؤها او تعميرها بداية القرن السادس عشر بعد ان بقيت خالية لمدة ما يناهز الاربعين سنة، و ليست مدينة العرائش وحدها التي أخلاها سكانها بل كذلك مجموعة من التجمعات السكانية على مجرى نهر اللوكوس كالمليحة ونارنجة، و أكلا، والحمر، وغيرها. و يؤكد هذا الزعم هو عدم قيام البرتغاليين بالاستيلاء على مدينة العرائش كمحطة استراتيجية ضرورية لإمكانية الاستيلاء على جزيرة المليحة، بالإضافة الى سكوت المصادر البرتغالية والمغربية عن اية عملية مقاومة للبوارج الحربية التي كانت تمخر في اتجاه الوادي من البحر، بل حتى الخطة الحربية للسلطان الوطاسي لم تشمل تحريك الآليات الدفاعية لمدينة العرائش على اعتبار إشرافها المباشر على مدخل الميناء مما يفسر خلو العرائش آنذاك من أية قيمة حربية ولم تكن تشكل أي تهديد عسكري للملاحة البرتغالية بمصب نهر اللوكوس لذا بحث البرتغال عن مكان متقدم في النهر يقطع الطريق على مؤن مملكة فاس الحربية عن مهاجمة اصيلة و باقي الثغور ..طنجة و القصر الصغير و سبتة. وفي تتبعنا للاخبار التي ذكرها برناردو رودريغيز وهو مواطن برتغالي ترعرع بمدينة اصيلا وكتب حولياته بدقة بالغة وبتفاصيل كثيرة غطت الاحداث الحاصلة من سنة 1508 الى سنة 1535 حيث لا نجد ذكرا لمدينة العرائش الا عرضا ودون أهمية تذكر، بل ان حضور بني كرفط كتجمع سكاني كبير بالمنطقة كان لها دور كبير في الحروب ضد البرتغال. وتشير عملية توقيع معاهدة السلام بعد معركة المليحة بموقع تشميس او شميس وهي التسمية المغربية لمدينة ليكسوس يشير الى غياب أي نواة معمارية بمدينة العرائش انذاك لعقد اجتماعات من هذا الحجم بين ممثلي الدولتين. وفي نفس السياق احمد بن خالد الناصري في كتابه الاستقصا لأخبار دول المغرب الاقصا” المجلد الثاني، عند حديثه عن احتلال البرتغال للثغور المغربية” واستحوذ عدو الله –يقصد البرتغال – على بلاد الهبط وضايقهم بها حتى انحازوا إلى الأمصار المنزوية عن الأطراف والقرى النائية عن السواحل” مما يؤكد شمول ظاهرة اخلاء المدن والتجمعات القريبة من مناطق الاشتباك مع البرتغاليين. لا شك ان الوطاسيين بعد معركة المليحة انتبهوا لأهمية اعمار العرائش وتحصينها وهو الامر الذي سيقوم به لاحقا ابن محمد الشيخ الوطاسي الملك محمد الملقب بالبرتغالي حيث ستلعب مدينة العرائش منذ ذاك التاريخ دورا رياديا على مسرح التاريخ العالمي.


الأربعاء، 14 ديسمبر 2016

المفضل التدلاوي: عميد المادحين بالعرائش


يعتبر الحاج المفضل التدلاوي رحمة الله عليه، أحد أبرز الشخصيات العرائشية المؤثرة في الذاكرة والتراث والثقافة المحلية المعاصرة بمدينة العرائش، ففضلا عن مساره المهني المشرف ونشاطه الجمعوي المتميز، خَلَّفَ لنا المرحوم إرثا زاخرا سواء في الطرب الأندلسي وموسيقى الآلة، أو في السماع الصوفي ومدح خير البرية، أو في توثيق التراث الثقافي المادي واللامادي لمدينة العرائش، وكذا أبحاثه المتقدمة في جرد وتصنيف النسيج السكاني للمدينة بما فيها الأسر والعائلات التي استوطنت العرائش خلال العصر الحديث والمعاصر..

ازداد الحاج المفضل التدلاوي بالعرائش يوم 18 شتنبر 1921، وتوفي بها في 2 يناير 2011، استهل مساره الدراسي في المدرسة الأهلية الحرة بالعرائش وتواصل بالمعهد الحر في تطوان، بدأ مساره المهني منذ سنة 1942 كموظف إداري لدى وزارة الداخلية إلى غاية تقاعده سنة 1982، وكان قد تقلد خلالها منصب خليفة الباشا ثم باشا بالنيابة في مدينة العرائش، اشتهر المفضل التدلاوي بولعه الكبير بالتراث الصوفي والمديح والنغم المغربي الأصيل، فأَسَّسَ لهذا الغرض جمعيات نشطت وتميزت في هذا المجال، وهي: "جوق الرابطة للموسيقى الأندلسية"، "جمعية إخوان المديح"، و"جمعية الكواكب العرائشية لمدح خير البرية"، وقد كان رحمه الله أحد أعضاء النخبة الوطنية للمديح والسماع المعروفة بتنشيطها للحفلات الدينية بالقصر الملكي، كما  شارك في إحياء عدد كبير من الحفلات محليا ووطنيا سواء الخاصة أو خلال المهرجانات والملتقيات والمناسبات الوطنية والدينية تحصل خلالها على جوائز  وتكريمات عديدة..

صدر للمفضل التدلاوي كتابان، الأول بعنوان "إطلالة على النغم المغربي الأصيل" سنة 2000، والثاني كتاب "أضواء على ذاكرة العرائش" سنة 2001، وهو أحد أهم ما كتب عن تاريخ العرائش وذاكرتها المعاصرة.. كما ترك أيضا كتابان مخطوطان، الأول بعنوان "نزهة الذاكرين وبغية المادحين"، وهو مخطوط من جزأين، أما الثاني فهو موسوم ب «نهج دائرة المعارف".

رحم الله الحاج المفضل التدلاوي وتقبل منه خير أعماله وجعلها صدقة جارية وعلما ينتفع به يُثقِلُ ميزان حسناته يوم لا ينفع مال ولا بنون.

[محمد عزلي]


 وقوفا من اليمين إلى اليسار : السيد قبوح، السيد الوعدودي، السيد المفضل التدلاوي.
جلوسا من اليمين إلى اليسار : السيد عبد المالك بلفقيه، السيد مصطفى برغوث، السيد مصطفى الدواي.
الصورة من خزانة ذ.حسام الكلاعي

الصور أسفله من خزانة ذ.محمد الحفيظي.
المفضل التدلاوي يسارا

الحاج المفضل التدلاوي - المكي التلوني - الحاج عبد السلام الصغير - الحاج عبد العزيز بن موسى


 الحاج عبد السلام المودن و الحاج المفضل التدلاوي










العرائش بين الأطماع العثمانية و الإسبانية


    بقلم : عبد الحميد بريري

انحصرت الأطماع الاستعمارية في احتلال العرائش بين قوتين: العثمانيون والإسبان، بعد انهزام البرتغاليين من أجل ذلك في معركة وادي المخازن العثمانيون بصفتهم ورثة الخلافة الإسلامية في الشرق تلقوا مراسلات ونداءات الأندلسيين المضطهدين من طرف ملوك الإسبان قصد استغاثتهم، فطمحوا أن تكون العرائش قاعدة للانتقام من السفن الإسبانية المبحرة في المحيط الأطلسي، ذلك كان شرطهم لإعانة عبد الملك المعتصم على المتوكل، الشيء الذي كان يهدد الإسبان في عمق مصالحهم وبالتالي رغبتهم الجامحة في استيلائهم عليها. لكن الإرادتين تصطدم بإرادة قوية على أن تبقى العرائش تحت السيادة المغربية لموقعها الاستراتيجي في مواجهة الظرفية الراهنة حيث يعرف العالم الأزمة الأندلسية، وهي إرادة المنصور الذهبي الذي كان يناور ويناور على ألا تسلم المدينة لأي الطرفين. وإن كان قد وعد الإسبان صراحة مقابل الإبقاء على المطالبين بالعرش ابن أخيه الغالب الناصر والشيخ ابن المتوكل لدى فليبي الثاني. لكن هذه المناورة السياسية ستنتهي بزوال أسبابها التي هي : - ضعف المغرب اقتصاديا وقد خرج منهكا من الحروب الأهلية ومن معركة وادي المخازن -افتقار العرائش إلى التحصين الجيد وانعدام أسطول قوي لمواجهة الإمبراطوريتين -قوة الخصمين الطامعين في العرائش العثمانيون كانوا على اتصال دائم بالمجاهدين المغاربة والأندلسيين في العرائش منذ مطلع القرن 16للتنسيق فيما بينهم في العمليات البحرية ضد الإيبيريين ، حيث سجل أحد المعاصرين برناردو رودريغيز وصول المجاهد التركي خير الدين بربروس بمجموعة من السفن مزودا بها المجاهدين هناك ، وبعد عملية قام بها سنة 1517"... ووصل خلال السنة نفسها خير الدين بربروس على رأس 14 سفينة مجدافية واستولى على سفن ، وحصل على غنائم ، ثم التحق بالعرائش واحتمى بنهرها ... ومباشرة بعد خروج بربروس الى المضيق وامتلاك العرائش لبعض السفن المجدافية ..." الشيء الذي أسس إلى علاقة وطيدة بين العثمانيين والمجاهدين بالعرائش وبالتالي الطموح إلى الحصول على هذا المرسى لما يوفره من ظروف الرسو والاحتماء فضلا عن قربه من شبه الجزيرة الإيبيرية بؤرة التوتر ، ومن السفن الإيبيرية التي تغدو وتروح بقربه في الوقت نفسه أغضب الإسبان الوجود العثماني في العرائش و إصرار العثمانيين على مطالبة المنصور بتسليمهم العرائش ويمتنع ، إلى أن أدى بهم الحال إلى استعمال القوة بتجهيز أسطول بالجزائر يتكون من 60 سفينة والقدوم إلى العرائش للاستيلاء عليها سنة 1581 بقيادة علي باشا وزير البحرية العثمانية . إلا أن المنصور لم يبق مكتوف الأيدي أمام هذا الخطر، فجيش الجيش بقيادة إبراهيم بن محمد السفياني وعسكر في العرائش وفي الثغور الشمالية الإستراتيجية. كما أرسل سفارة إلى مراد الثالث على رأسها أبي العباس أحمد بن يحي الهوزالي التي اعترضت من طرف سفن أسطول علي باشا فحذرهم من الوصول إلى الباب العالي خوفا من انكشاف أمره. حاول إفشال السفارة لكنه استدرك عواقب ذلك، من لدن الخليفة العثماني فتصرف في أفراد السفارة. فاختار منها ما أراد، من بينهم الهوزالي مستصغرا إياه وانعدام كفاءته لهذه المهمة لعله يفشل في سفارته هذه، ورد البعض الآخر منهم القائد أحمد بن تودة لكبره ولفطنته وخبرته. لكن السفارة نجحت في مسعاها وأفشلت كل التدابير التي اتخذها علي باشا، الذي كلف بمهمة هو وحسن البندقي باشا الجزائر مباشرة بعد ذلك؛ لإخماد بعض الثورات في الشرق. ويرجع الدكتور عبد الكريم كريم عذول العثمانيين عن غزوهم المغرب إلى التقارب القوي بين المغرب والإسبان، وانشغال الأتراك بالحروب الدموية بينهم وبين الصفويين بإيران. ويضيف أيضا أن الذي دفع العثمانيين إلى محاولتهم غزو المغرب بشكل أساسي هو الهدنة التي ابرموها مع الإسبان يوم 7 فبراير 1578. كما ذكر بالعوامل التي ساهمت في توتر العلاقات بين الباب العالي والمنصور كانت أهمها، موقف الأتراك من تولية المنصور الحكم في الشهر الأول وتآمرهم مع بعض قادة الجيش ضده، واتصالاتهم مع الثائر عليه داود بن عبد الممن، وإيوائهم للأمير إسماعيل بن المعتصم في الجزائر، الشيء الذي فضل معه التقارب للإسبان مواعدا إياهم بتسليهم العرائش.
لعبت العرائش دورا مهما في ميدان الجهاد البحري خاصة عندما بدأت تتوافد على المغرب أفواج الأندلسيين المطرودين من وطنهم، فاتخذها كل من كانت له رغبة في الانتقام أو العودة إلى وطنهم المغصوب وبمعية المغاربة والمسلمين من مختلف العالم الإسلامي في إطار التضامن الإسلامي والدفاع عن قضايا الأمة، قاعدة بحرية يهاجمون منها الشواطئ الأندلسية وجزر الكنرياس والسفن المسيحية المارة بالسواحل الأطلسية.
يقول الدكتور محمد رزوق نقلا عن خوان لويس دو روخاس» فقد تجمع عدد كبير من الموريسكيين بتطوان والقصر الكبير والعرائش لكي يكون على مقربة من اسبانيا، وقد أكد هذه الحقيقة الدوق دي مدينا سيدونيا «بوجود 10000 موريسكي سنة 1613 بمدينة تطوان وحدها. وفي العرائش سنة 1610 كان يتواجد بها 150 موريسكيا.
كما ساعدهم على ذلك ملوك المغرب الذين لم يأل جهدهم قدر المستطاع وحسب الظروف العصيبة التي كان يمر منها المغرب في هذه الفترة منهم عبد الملك السعدي الذي "... أمر بإنشاء السفن في العرائش وسلا وصار أهل الأندلس يسافرون في البحر مع أهل المغرب وضيقوا بالنصارى أشد تضييق وكثرت الغنائم...». كلها أمور شكلت لدى فليبي الثاني هاجسا يشغل باله وانشغالا استراتيجيا إلى آن صرح وقال العرائش وحدها تساوي إفريقيا كلها. لم يتسرع العاهل الاسباني في استعمال القوة والاستيلاء على مدينة أحلامه وهزيمة ابن أخته لم تنس بعد، ففضل القنوات الدبلوماسية عبر سفرائه الأب مرين وبيروبنيغاش، وأنطونيو داشالدانيا، وبلستار بولو، وفرانسيسكو داكوستا.
لكن المنصور لم يتردد من إظهار بعض الأساليب التي تجعل فليبي الثاني يطمئن لوعود المنصور، ومن ذلك إحدى رسائله إلى العاهل الاسباني؛" ...وكذلك تأمروا لأصحابكم يقبضون لأصحابنا البريجة مثل ما أمرنا نحن للقائد براهيم يقابض لأصحابكم العرائش «. لكن المنصور لا يعني من كلامه هذا انه ملتزم فعليا بإعطاء العرائش مقابل البريجة لأنه يعلم علم اليقين أن ذلك انتحارا سياسيا. وأن الإبقاء على الوعود ربحا للوقت حتى تزول أسبابها التي هي: الخطر العثماني واحتجاز المطالبان بالعرش مولاي الشيخ ومولاي الناصر. وبالفعل ما ان زال الأول وإنزال الناصر والقضاء على ثورته حتى قلب ظهره لوعوده وتحول في سياسته الخارجية مع فليبي الثاني إذ تقرب المنصور الى ملكة انجلترا مباشرة بعد هزمها الإسبان في معركة الأرمادا البحرية واستكمال تحصين العرائش وتشكيل الأسطول الأمامي. ولم يكتف المنصور بهذا الرد السياسي، وإنما بالعمل العسكري بحيث هاجمت سفنه سنة 1593 م جزر الكنرياس وعادت بغنائم وسبي من الجانب الاسباني.
ورغم هذا فالملكين لم يقطعا حبل الاتصال وبقيت رسائل الود والمجاملة ترد بينهما. وقد أورد الدكتور الحسين بوزينب مقتطفات من رسائل المفاوضات حول تسليم العرائش في مقاله نقلا عن صاحب كرونيكا المنصور ومتتبع هذه المفاوضات أنطونيو دا سالدانيا عندما اقترب الخطر العثماني من المغرب "...أرسل الأب مرين الى لشبونة حيث كان يوجد الملك فليب وطلب منه أن يبلغه استعداده لخوض غمار مخاطر الحرب قبل أن يستأنف السلام مع الأتراك، ويذكره بأن أهم مسرح للحرب هو في البحر وأن الهدف هو العرائش. لذلك كان يجدر بالملك فليب أن يكثر من قواته حتى لا يجرؤ التركي على المجيء ، لأن كليهما كان معرضا للخطر نفسه ..." .
وبما أن تسليم العرائش كان له مصلحة أخرى لدى المنصور ألا وهو احتجاز المعارضين يذكر شالدانيا مقتطف من رسالة مطمئنة حول أخبارهما " ...إن مولاي الشيخ يحاول أن يدخل الدين المسيحي... وان مولاي الناصر سيحول من لشبونة إلى قشتالة وسيحبس في مكان بعيد عن البحر، بحيث لا يضرن الشريف في شيء. ولكن على المنصور أن يحاول تسليم العرائش لجلالته، لأنه بهذا ستحبط كل مشاريع الأتراك وستتوطد الصداقة بين صاحب الجلالة الملك فليب والشريف ...».
وفي رسالة أخرى تبرز مدى المناورة والدهاء السياسي الذي طبع سياسة المنصور الخارجية في موضوع تسليم العرائش حين ربح الوقت واستكمل تحصين العرائش مدة زمن المفاوضات، في مقابل رغبة ملحة من طرف فليبي لتسلم العرائش مقابل البريجة في ماي 1586 " ... شرع الملك فليب في سنة 1586م في الإصرار بشكل كبير على تسليمه العرائش، الأمر الذي كان يقابله الشريف السعدي بدهائه . وكما صرح بلتسار بولو للأب مرين، فان اسبانيا كانت تنتظر بفارغ الصبر خلال شهر ماي ، وهو الوقت الذي اعتبر، حسب ما فهم من الأب مرين ،موعدا لهذا التسليم مقابل البريجة ... كان فرانسيسكو دا كوسطا قد كتب إلى الملك فليب الثاني في موضوع العرائش ، أنه كان يعتبر أمر تسليم العرائش من قبل الشريف السعدي بمثابة سخرية لا يجب أن تحمل على محمل الجد ، لأنه لم يسلمها عندما كانت تفتقر إلى التحصين والدفاع وكان يتخوف من احتلالها من قبل الأتراك ، فكيف سيفعل ذلك الآن بعد تحصينها كما يجب ؟ وأخيرا، خرج الأب مرين من مراكش وكله أمل. غير أنه مرض في الطريق ومات واصطحب معه إلى الحياة الأخرى كل الاتفاقات المزعومة حول تسليم العرائش.
كان التصلب المغربي في عدم تسليم العرائش سيقابله إصرار باستعمال القوة في أخذها بعد وفاة المطالب بها والمطالب له، وذلك في عهد فليبي الثالث ومحمد الشيخ المامون بن المنصور وبالضبط سنة 1608 حيث سجلت المصادر الغربية هذه الاستعدادات العسكرية واللوجيستيكية. كما أن الظرفية التي كان يعيشها المغرب شجعت الإسبان على هذا الخيار حيث المجاعة والأوبئة والتناحر السياسي بين أبناء المنصور على من يحكم البلاد؟ ولما أحس محمد الشيخ الخطر محدق به، رحل إلى اسبانيا مع دييغو مارين ابن أخ سفير فليبي الثاني قصد الاختباء هناك.
وتزداد رغبة الإسبان في الاستيلاء على العرائش كلما وصلتهم الأخبار عن قرب استيلاء زيدان على فاس، وإذا ما كان ذلك فان الخطر سيزداد بالنسبة لمنطقة النفوذ الإسباني. لذا كان ينصح ميدينا سيدونيا قائد الأسطول الإسباني بالمحيط الأطلسي والسواحل الأندلسية إلى السيطرة على العرائش بالقوة. ورغم تكلفة ذلك فهو أهون من أن يكون هذا الميناء تابعا لحكم زيدان. لكن فليبي الثالث تخوف من العملية ولم ينجزها في هذا الوقت وأجلها إلى حين استكمال الاستعدادات وبالضبط في الصيف. فاتفق مع الايطاليين على حفظ 20000 قنطار من الحلوى في أسطول وإرسالها بمعية 20000 قطعة ذهبية إلى ميدينا سيدونيا كنفقات لاحتياجات البعثة المكلفة بالاحتلال. وكان الإسبان في شخص خيانيتينو مورتارا، وسيط فليبي الثالث مع محمد الشيخ، يحاولون أن يكون احتلال المدينة بموافقة سلطان المغرب من خلال معاهدة يدلس عليه فيها وإعطائه 200000 أو 300000 قطعة ذهبية كتمهيد لأخذ العرائش. ولتطييب خاطر محمد الشيخ وتليين موقفه من عملية الاستيلاء بالقوة ،منح الملك الإسباني في أبريل سنة 1608 تصريح المرور بموجبه يصبح الحق لمحمد الشيخ المكوث في الأراضي الإسبانية والخروج منها متى شاء نزولا عند رغبته .وفي شهر يوليوز من سنة 1608 بدأ إيقاع الاستعدادات يرتفع والاتصالات بين قائد الأسطول والملك الإسباني تتكثف خاصة فيما يتعلق بالزيادة في قدر نفقات الحملة على القدر الذي خصص في السابق 20000 قطعة ذهبية وضرورة تجهيز قوة عسكرية تتكون من 6000 فرد من المشاة و2000 من الموريسكيين لمهمة حفر الخنادق والدفاع وأهمية أخبار ميدينا سيدونيا بوقت وقدر السفن والجنود القادمين من ايطاليا . وبالفعل وصلت هذه التعزيزات وتم استكمال الاستعدادات بعد إعطاء العاهل الإسباني مجموعة من التوجيهات لقائد الأسطول تتضمن نوع من الأخبار بتنفيذ بعض مطالبه ، كالأخذ بعين الاعتبار قلة مداخيل الخزينة الإسبانية و الإخبار بالزيادة في قدر النفقات من 20000 دوقة إلى 100000 بحكم تواجد 5000 من الجنود المشاة الايطاليين ككلفة الميدان أو 2000 جندي الذين سيبقون بالعرائش لمدة 6 أشهر ، والأخذ بعين الاعتبار مشكل الجنود ، كما أجل تعيين الشخص الذي سيكلف بمهمة المعركة.
وعند بزوغ فجر يوم 6 من شتنبر 1608 هاجم الأسطول الإسباني العرائش برئاسة الماركيز سانتا كروز حيث كان يتكون من 54 قطعة بحرية يحملون ما بين 7000 و8000 رجل ردتهم المقاومة المسلحة المدافعة عن العرائش بثلاثة قذائف مدفعية ومنعتهم من النزول على الأرض وقد أورد صاحبا مؤلف العرائش خلافات المؤرخين الغربيين حول عدد المدافعين حيث ذكر أحدهم بالتحديد 150 فيما لم يحدد الآخرون العدد. قرر قائد الحملة النزول في مكان آخر لكنه فشل الشيء الذي اضطر معه إلى العودة إلى اسبانيا دون تحقيق المطلوب برد فعل المقاومة. العملية أقلقت محمد الشيخ فأرسل إلى العرائش 4000 رجل لتعزيز الدفاع عنها واعتقل الوسيط الإيطالي وأورده السجن ومواطنه وكأن المأمون يعلم أن هذا الأخير على علم بالعملية ونظرا أيضا لخطورته. الإسبان بدورهم أحسوا بالحرج و الخوف من فقدان صداقتهم للمامون لما أقدموا على فعل لم يبرحوا أن يأخذوا موافقته بعد . بدأت الاتصالات من الجانب الإسباني لإرجاع الأمور إلى نصابها وكان ذلك بعد محاولات اعتبرت مقنعة من الجانبين وهذا ما ترجمه لجوء الشيخ إلى الإسبان قصد الاحتماء فيما بعد وما لقيه من حفاوة الاستقبال وحسن الضيافة والتكريم.
هذه هي محاولة الاحتلال بالقوة الأولى ليبدأ التهييء لمحاولة أخرى وهي التي ذكرها أيضا صاحبا كتاب العرائش وكانت بالضبط في يونيو 1610 وعلى علم الشيخ المامون الذي كان قد أعطى انطلاقة الهجوم ثم تردد فأرسل لإيقاف الهجوم لكن قائد الأسطول الإسباني الماركيز سان خرمان أتم العملية فكان بالعرائش في الساعات الأولى من يوم 14 يونيو حيث حاول النزول في المرسى بعد رفع العلم الأبيض لكن المقاومة أطلقت عليهم النار من المدافع بثلاث طلقات. كما كانت هناك مواجهة في البر دامت 6 ساعات. وقد حددا صاحبا مؤلف العرائش عدد المجاهدين الذين كانوا بالمكان ب 500 شخص من بينهم فرسان أغلبهم من القبائل المجاورة للعرائش ومن القصر الكبير وأصيلة. لكن الماركيز أصر على الاحتلال بالقوة وحاول من جديد النزول قرب حصن الجنويين لكن ضربات المجاهدين وهيجان البحر الذي أفسد ماؤه بعض الأسلحة أفشلت مخطط الإسبان وحالت دون الرسو وعادوا من حيث أتوا إلى جبل طارق على الساعة 6 مساء. وبهذا تنتهي هذه الأطماع باستئثار الإسبان بالعرائش عبر اتفاقية التسليم الشهيرة التي بموجبها أصبح الإسبان سادة العرائش بتاريخ 20/ نونبر / 1610، بعد طرد سكانها من طرف جنود المأمون.
وموضوع التسليم هذا موضوع طويل وقيل عنه الشيء الكثير من طرف المؤرخين المغاربة.


لوحة تمثل معركة وادي المخازن، متحف فورت دا بونتا دا بانديرا، لاغوس، البرتغال.

نقيشة رخامية ألمانية تصور واقعة يوم 20 نوفمبر 1610، عندما تولى خوان دي مندوزا وفيلاسكو، ماركيز سان جيرمان احتلال ثغر العرائش باسم ملك إسبانيا فيليبي الثالث الذي سبق و عقد مبايعة موثقة مع السلطان السعدي الشيخ المأمون تنازل فيها الأخير عن العرائش لقاء دعم ملك إسبانيا له ضد أخيه السلطان زيدان، إضافة إلى مقابل مادي قدر ب 200000 دو كادوس

المراجع
·       حوليات أصيلا (مملكة فاس من خلال شهادة برتغالي 1508/ 1535 ) برناردو رودريكز تعريب الدكتور احمد بوشرب دار الثقافة ط/1 2007 .
·       المغرب في عهد الدولة السعدية الدكتور عبد الكريم كريم - جمعية المؤرخين المغاربة - الرباط
1)   الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرن 16/ 17 د/ محمد رزوق مطابع إفريقيا الشرق سنة 1989
2)   تاريخ الدولة السعدية المؤرخ المجهول ص : 533
3)   التاريخ العربي مجلة علمية محكمة ( مقال تحت عنوان من العرائش إلى فضالة أربعة عقود ونصف من الإستراتيجية الإسبانية في احتلال مراسي مغربية 1578/ 1624 د/ الحسين بوزينب العدد13 شتاء 1420/ 2000