الأحد، 10 يناير 2021

الشهيد المظلوم عبد السلام الشنتوف (السوماتي)

 


محمد عزلي


الشهيد عبد السلام بن عبد السلام الشنتوف الشهير ب "السوماتي" (1900-1956م)، من مواليد قبيلة سماتة، جماعة زعرورة، بإقليم العرائش، القبيلة التي اشتهرت في التاريخ المحلي والوطني بالجهاد ومقاومة الاحتلال الإسباني، إذ تعتبر آخر نقطة سقطت في يد القوات المحتلة بشمال المملكة وذلك في شهر يوليوز 1927، أي بعد مضي 15 سنة على إبرام عقد الحماية، و14 شهرا على استسلام الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وذلك بعد الضغط الرهيب الذي مارسه الطيران العسكري للقوات المحتلة على المنطقة، والذي تم من خلاله استعمال الغازات السامة، في واحدة من أسوء وأجبن العمليات التي لطخت سجلات التاريخ العسكري الإسباني بمداد العار، مما أدى في النهاية إلى فرار أبناء القبيلة إلى المناطق الخاضعة للنفوذ الفرنسي قبل الحصول على وثيقة الأمان التي مكنتهم من العودة إلى أراضيهم.

وقد كان عبد السلام الشنتوف أحد هؤلاء المقاومين الأبطال الذين تمتعوا بحظوة ونفوذ معنوي كبير في قبيلته، وهو ما حدا بالمخزن الخليفي إلى تكليفه بتدبير شؤون السكان في المنطقة منذ سنة 1928، إلى أن أصبح قائدا سنة 1938، وبسبب تدهور علاقته بالمستعمر إثر رفضه حمل الزي العسكري الإسباني، تم إعفاؤه من مهامه في 13 من غشت سنة 1941.

أما في مرحلة نشاط الحركة الوطنية، وفي سياق مواصلة الكفاح من أجل نصرة القضية الوطنية العادلة، ذكر السيد محمد الشنتوف حفيد الفقيد عبد السلام الشنتوف في شهادته خلال جلسة الاستماع بمقر هيئة الإنصاف والمصالحة في 15 من مارس سنة 2005، أن جده وعائلته عموما "تأثرت إلى حد كبير بأفكار حزب الشورى والاستقلال وأطروحاته"، وفي فترة ثورة الملك والشعب أشار المصدر ذاته إلى "أن أحد أبناء الفقيد كان يدرس بمدينة سبتة حيث التقى خلال سنتي 1953 و1954 بالمرحوم بلحسن الوزاني الذي كان منفيا هناك، فكان يزوده بالوثائق والمنشورات".

وفي الرابع من أبريل 1956، توجه جلالة الملك محمد الخامس على رأس وفد مغربي رسمي إلى مدريد للتفاوض في استكمال الوحدة الترابية للمملكة المغربية، وقد مثل إقليم العرائش في هذا الوفد، الفقيه العلامة والقاضي الحاج عبد السلام ازطوط عضو المجلس الخاص للخليفة السلطاني، لتنتهي المفاوضات يوم 7 أبريل 1956 باعتراف إسبانيا الرسمي باستقلال منطقة الشمال المغربي، فقرر بطل التحرير العودة إلى المغرب من بوابة تطوان، وتخصيص مدينة العرائش المجاهدة بأول زيارة رسمية ثلاثة أيام فقط بعد الاستقلال، وذلك يوم الثلاثاء 10 أبريل 1956، مرفوقا بولي عهده الأمير مولاي الحسن وصنوه الأمير مولاي عبد الله، ليستقبلوا استقبال الأبطال من الجماهير الشعبية التي احتفلت بهذا النصر وهذه الزيارة التاريخية، وقد بذل السيد عبد السلام الشنتوف مجهودا كبيرا في سبيل تعبئة السكان لاستقبال جلالة الملك، وهو الأمر الذي نجح فيه بفضل نفوذه المعنوي المؤثر، غير أن هذا الموقف أغضب سلطات الاحتلال التي وضعت اسمه ضمن القائمة السوداء، والتي كانت تدس عملاءها في كل مكان وتحرضهم على خلق البغضاء والفتنة بين صفوف الوطنيين.


مشهد من الاستقبال الشعبي الكبير  لبطل التحرير جلالة الملك محمد الخامس خلال زيارته لمدينة العرائش في 10 من أبريل 1956


وفي اليوم الخامس من رمضان، 17 من أبريل 1956، وبعد مرور أسبوع واحد فقط على الزيارة الملكية، وفي خضم أحداث الفوضى و"السيبة" بسبب الفراغ السياسي والإداري والأمني الذي أعقب إعلان الاستقلال، والذي تتحمل فيه سلطات الاحتلال الإسباني النصيب الأوفر من المسؤولية، تمت تصفية مجموعة من المواطنين والتنكيل بهم بشكل وحشي ينم عن سادية الإقامة العامة الإسبانية ممثلة آنذاك في "الدون بوريطا" (Borreta)، وأدواتها التي استعملتها من خلال بعض الأشخاص -كما ذكر السيد محمد الشنتوف في شهادته- المعروفين بسوابقهم الإجرامية، أو حتى من بعض المغاربة الذين اعتقدوا أنهم ينتقمون من عملاء الاستعمار، ضاربين بعرض الحائط تعاليم الشرع الشريف، وناموس الدولة المغربية العريقة، وأخلاقيات الأعراف المغربية المتزنة على كفتي العدالة والحكمة، وكان من بين ضحايا هذه الأحداث المروعة، الشهيد عبد السلام بن عبد السلام الشنتوف.

 

·       تفاصيل الحادث المريع

ذكرت السيدة فاطمة الشنتوف ابنة الفقيد في لقاء خاص أجرته معها جمعية أرشيف العرائش بتاريخ 29 دجنبر 2020، أن السيد عبد المالك بلفقيه (المسؤول عن حزب الاستقلال في تلك الفترة) أرسل أكثر من مرة أفرادا من أسرته ليحذروا أسرة السيد عبد السلام الشنتوف من هجوم وشيك على منزلهم يستهدف قتل رب الأسرة، غير أن المرحوم لم يكترث لهذا التحذير، معتبرا نفسه بعيدا عن الشبهات ومنزه عنها، ورفض السماح بالكلام عن الفرار، وآثر البقاء في بيته لرعاية أسرته وتمريض زوجته التي كانت تعاني من داء السرطان، وفي اليوم المشؤوم على عائلة الشنتوف 17 أبريل 1956م والذي وافق الخامس من رمضان 1375ه،ـ كان الفقيد وهو في سن السادسة والخمسين، طريح فراش المرض، فاقتحم مجموعة من المسلحين المنزل، بعضهم يرتدي الزي العسكري، فرَوَّعوا أهل الدار، وفر الكبار والصغار مدعورين نحو منازل الجيران يرتعدون خوفا، أما الزوجة فخرجت للشارع تصرخ وتستغيث بجمهور متعاطف لكنه قليل الحيلة.

وعن تفاصيل المشهد يقول السيد محمد الشنتوف حفيد المرحوم عبد السلام في شهادته المشار إليها آنفا: «كان المهاجمون مسلحين بالعصي والقطع الحديدية؛ هرب من يوجد في البيت من الأبناء عند الجيران، في حين أخرج المهاجمون الأب من البيت وهم يضربونه ويجرجرونه؛ كما عمدوا إلى سرقة عدة أشياء من البيت بما في ذلك طعام الفطور. أخذوا الفقيد إلى مكان مجهول، ثم علقوه في صباح الغد في ساحة إسبانيا (ساحة التحرير حاليا)، وأخذوا يفرغون عليه الوقود ويحاولون إضرام النار في جسده. هذا المشهد الذي عاينه الناس وأخبروا أسرة الفقيد به وبتفاصيله كان من القسوة والفظاعة بحيث إن امرأة إسبانية تبيع الفطائر (التشورو) مقابل الساحة المذكورة رأت المشهد فأصابتها السكتة القلبية وفارقت الحياة من هول ما رأت (وقد خصص الكاتب المغربي المرحوم محمد شكري لهذه الواقعة أربع صفحات من روايته "زمن الاخطاء"). بعد ذلك لفوه في غطاء أسود وأخذوه إلى مكان مجهول حيث وضعوه إلى جانب أشخاص آخرين من بينهم (...) حيث سيمارس عليه تعذيب وحشي إلى أن يفارق الحياة».

وبعد انقضاء شهر رمضان طالبت عائلة المرحوم تسليمهم جثته، فوجدوها كاملة وفي حالة يرثى لها.

·       رد الاعتبار وجبر الضرر

بقيت الجريمة بلا عقاب رغم الشكاية التي تقدمت بها أسرة الفقيد لأن أحدا لم يجرؤ ساعتها على فتح الملف، بينما على المستوى الشعبي قوبل الحادث باستنكار شديد، وقد رصد لذات الغرض السيد عبد السلام الطود عدة صفحات من جريدته، ولأنه لا يضيع حق وراءه مطالب، فقد ظهر الحق ولو بعد نصف قرن من الزمن، وذلك بفضل إصرار عائلة الشهيد على إزهاق الباطل ورد اعتبار السيد عبد السلام بن عبد السلام الشنتوف، وبفضل عمل فريق الأبحاث والتحريات بهيئة الإنصاف والمصالحة، وكذلك بفضل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إذ تبين لهيئة الإنصاف والمصالحة أن القضية تدخل ضمن حالات القتل خارج الشرعية، وتم بذلك الإقرار سنة 2005 رسميا وعلنيا بمسؤولية أجهزة الدولة عن الانتهاكات التي تعرض لها الهالك.

لكن وبعد أن تحول السيد عبد السلام الشنتوف من مقاوم بطل إلى شهيد مظلوم، وبغض النظر عن أي تعويض مهما كانت قيمته، يبقى السؤال المهم هو ذاك الذي طرحته السيدة (س.ط) خلال جلسة الاستماع حول صيغة رد الاعتبار وشكله، وحول من سيكون عليه أن يعتذر للشعب المغربي وباسم من؟

 

·       مصادر ومراجع

-          شهادة عائلة المرحوم عبد السلام الشنتوف (أحداث 1956)، محضر جلسة الاستماع التي انعقدت بمقر هيئة الإنصاف والمصالحة يوم الثلاثاء 15 مارس 2005.

-          مراسلات من لجنة تفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة في مجال جبر الأضرار بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى السيدة فاطمة الشنتوف، ملف عدد 3570، قضية عبد السلام الشنتوف.

-          شهادة شفهية للسيدة فاطمة الشنتوف سجلت صوتيا خلال لقاء خاص من تنظيم جمعية أرشيف العرائش لتوثيق التراث الثقافي والبحث التاريخي بتاريخ 29 دجنبر 2020.

-          المفضل التدلاوي، "أضواء على ذاكرة العرائش"، 2001.

الأربعاء، 6 يناير 2021

في ضيافة دار العلامة محمد الشنتوف عمدة العرائش في السبعينات

 


في إطار تنشيط البحث في التاريخ الاجتماعي المحلي لمدينة العرائش ومنطقتها، وفي سياق الانتصار لثقافة الاعتراف والقليل من الإنصاف، وذلك من خلال محاولة التعريف بأبرز الشخصيات والأعلام التي بصمت على حضورها وأثرت في مجتمعها محليا كان أم وطنيا أو حتى عالميا، وفي إطار استكشاف الكنوز العلمية والمعرفية التي تختزنها المكتبات الخاصة بالعائلات المحلية بهدف توثيق التراث الثقافي ومد الباحثين بالمادة المصدرية والمرجعية، قامت جمعية أرشيف العرائش لتوثيق التراث الثقافي والبحث التاريخي بزيارة دار العلامة سيدي محمد بن احمد الشنتوف رحمة الله عليه عمدة مدينة العرائش في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، حيث تم استقبالها بحفاوة وكرم أهل الفضل من قبل أرملته الحاجة فاطمة الشنتوف، وقد تم تقسيم الزيارة على موعدين:

·       الثلاثاء 29 دجنبر 2020

حضر اللقاء عن الجمعية كل من السادة: عبد الحميد بريري، محمد شكيب الفليلاح، ومحمد عزلي، كما حضر الأستاذ عبد القادر السبيطي ممثلا عن موقع "العرائش أنفو"، والأستاذة رشيدة بريري صديقة العائلة، بالإضافة إلى المستضيفة السيدة فاطمة الشنتوف وابنتها البارة الآنسة أسماء الشنتوف.

خصصت الجلسة لجرد وحصر الوثائق والصور التي تم تصوير بعضها في عين المكان، أما أغلبها فقد سمحت لنا الحاجة فاطمة جزاها الله خيرا أن نستعيرها لأيام معدودة حتى نتمكن من نسخها ورقمنتها على الوجه الأمثل، كما تم في هذه الجلسة أخد تسجيل صوتي مدته حوالي ساعتين للحاجة فاطمة الشنتوف تحكي فيه شهادتها على عصرها الذي كان حافلا بالأحداث الكبيرة، وقد تم التركيز فيها على ثلاث شخصيات رئيسية وهي:

1.      والدها الشهيد عبد السلام الشنتوف الشهير ب "السوماتي".

2.      زوجها العلامة سيدي محمد الشنتوف البرلماني والرئيس السابق لبلدية العرائش.

3.      فاطمة الشنتوف زوجة العلامة والفاعلة الجمعوية المعروفة.

ولما اعتبرنا أن هذه الشخصيات تحمل أهمية اعتبارية في الذاكرة المشتركة والتاريخ الاجتماعي المحلي المعاصر، وحرصا على أن تأخد كل منها حقها في التعريف والإضاءة، سنعمل على إدراج نبذة مختصرة عن كل شخصية على حدة معززة ببعض الصور الحصرية على موقع الجمعية وموقع العرائش أنفو الإلكترونيين، على أن نخصص لهم مواد وافية من خلال الإصدارات القادمة للجمعية بحول الله.

·       السبت 2 يناير 2021

حضر في الجلسة الثانية عن أرشيف العرائش كل من السادة: عبد الحميد بريري، محمد شكيب الفليلاح، ومحمد عزلي، كما حضرت عن جمعية المرأة لإحياء التراث كل من الأستاذة أمينة الحر والحاجة فاطمة الشنتوف مستضيفة اللقاء.

وقد خصص هذا اللقاء للاطلاع على محتويات المكتبة الورقية وخزانة الوثائق الخاصة بالعلامة سيدي محمد بن احمد الشنتوف والتي تحمل بين رفوفها أمهات الكتب والموسوعات والربائد والمخطوطات، مما جعلنا نستشعر فورا مدى جسامة وثقل العمل الذي ينتظرنا إذا كنا نريد الحفاظ على هذا التراث الوثائقي المهم، وتثمينه وإخراجه إلى النور حتى ينهل من معينه كل طالب علم أو مهتم بالمعرفة، هذا وقد ذكرت السيدة فاطمة الشنتوف أن المكتبة الحالية منقوصة من جزئها الأكبر الذي تم ترحيله إلى مدينة أصيلة، وهو الأمر الذي سيستدعي منا التنقل لعين المكان حال انفراج الوضع الاستثنائي الذي فرضه الوباء اللعين.



السيدة فاطمة الشنتوف رفقة مؤرخ المملكة المغربية عبد الوهاب بن منصور بضريح محمد الخامس بالرباط





الخميس، 24 ديسمبر 2020

محمد كنوت برنستروم (Mohammed Knut Bernström)

 


ولد في 22 من أكتوبر 1919 وتوفي في 21 من أكتوبر 2009 بمدينة العرائش التي دفن بها.

دبلوماسي سويدي عمل في كل من فرنسا، الاتحاد السوفيتي، الولايات المتحدة، البرازيل، كولومبيا، وكان سفيراً لبلاده في فنزويلا 1963-1969، وإسبانيا 1973-1976 والمغرب 1976-1983.

تقاعد من تلقاء نفسه سنة 1983، واعتنق الإسلام سنة 1986 وسمى نفسه محمد، بل وقام بترجمة القرآن إلى اللغة السويدية.



منزل محمد كنوت برنستروم في مدينة العرائش قبل هدمه

الأربعاء، 23 ديسمبر 2020

كرونولوجيا تاريخية سريعة حول قصر مولاي إسماعيل بالعرائش


محمد عزلي

·       1491: مقر يمثل السلطة المركزية المغربية بالعرائش زمن الوطاسيين في الفترة التي قام فيها الأمير مولاي ناصر بتحصين المدينة وإعادة إعمارها.

·       1610: قصر الحاكم زمن الاحتلال الإسباني لمدينة العرائش خلال القرن السابع عشر.

·       1689: قصر مولاي إسماعيل، مباشرة بعد تحرير المدينة في نفس السنة، أمر السلطان العلوي المولى إسماعيل قائده في العرائش "أبو العباس أحمد بن حدو البطوئي" ببناء قصره بها؛ يقول صاحب البستان الظريف: "وأمر قائدهم أن يبني بها مسجدين ومدرسة وحماما، ويبني داره بقلعتها".

·       طوال القرنين 18 و19: دار المخزن، عندما تحول دور المبنى إلى وظيفة إدارية مخزنية.

·       1914: كومندانسيا، "Palacio De La Comandancia" بما معناه (قصر الحاكم)، حيث تحول إلى مقر لقيادة الجيش الإسباني زمن الاحتلال الثاني في القرن العشرين.

·       1972: المعهد الموسيقي (يشغل اليوم الطابق السفلي للبناية)

·       1988: مكتبة وادي المخازن العمومية (تشغل اليوم الطابق العلوي للبناية).

·    الدور الوظيفي الحالي: المركز الثقافي الإقليمي.

الخميس، 10 ديسمبر 2020

إميليو باريرا: قائد عملية الإنزال العسكري البحري لاحتلال العرائش 1911

 


محمد عزلي 

الفريق إميليو باريرا لوياندو (1869-1943)، رئيس الأركان العامة للجيش الإسباني بمنطقة شمال المغرب أثناء الفترة الدكتاتورية ل "بريمو دي ريفيرا"، وأحد العناصر القيادية في انقلاب 1936 الذي فجّر الحرب الأهلية الإسبانية[1].

التحق باريرا بالأكاديمية العسكرية العامة سنة 1885، وفي سنة 1888 تمت ترقيته إلى رتبة ملازم قبل أن يلتحق بهيئة الأركان العامة سنة 1891، وفي عام 1898 توجه إلى كوبا قبل أن ينضم إلى الجيش في بورتوريكو، وهناك لمع نجمه وبدأ في حصد الترقيات، من مقدم إلى لواء، ثم وكيل وزارة الحرب الإسبانية عام 1922، قبل أن يصبح مساعدًا للملك ألفونسو الثالث عشر.

دامت مغامرة باريرا في المغرب 13 سنة، بدأت عام 1909 من خلال حملة مليلية وحملة تطوان (فندق عين جديدة)، وقد قام بعمليات شهيرة ساهمت في كتابة تاريخ المنطقة في القرن العشرين، ويتعلق الأمر بإعداده للإنزال العسكري البحري في مدينة العرائش سنة 1911 الذي مهد لاحتلال منطقة لوكوس بحاضرتيها (العرائش والقصر الكبير) ومن ثمّ الانطلاق للسيطرة على كامل رقعة المنطقة الخليفية، كما أدار باريرا جل عمليات غرب المحمية الإسبانية بالمغرب، وشارك في حرب الريف كقائد عام لمنطقة العرائش سنة 1921[2]، كما شارك أيضا في اللجنة المخصصة لدراسة إنزال الحسيمة سنة 1925[3].

شغل باريرا بعد مرحلة المغرب منصب الحاكم العسكري لتاراغونا بإقليم كتالونيا، من 1924 إلى 1930، ويرجع له الفضل في إنهاء حالة الفوضى والاقتتال في كتالونيا إلى حين إعلان الجمهورية الإسبانية الثانية سنة 1931، وبسبب هذه الأخيرة قام باريرا بقيادة الحركة المناهضة للجمهورية في المؤسسة العسكرية جنبًا إلى جنب مع الجنرالات خوسيه كافالكانتي وبونتي[4]، الحركة التي قادته إلى التعاون من الزعيم الفاشي بينيتو موسوليني الذي أمده بمساعدة قوامها 10000 بندقية، 10000 قنبلة يدوية، 200 مدفع رشاش، ومليون ونصف المليون بسيطة، وذلك لغرض الإطاحة بالجمهورية[5].

حكمت السلطات الإسبانية على باريرا في بادئ الأمر بالنفي قبل أن تقضي المحكمة العليا عليه بالإعدام بصفته القائد الأعلى للتمرد[6]، وفي 13 من يوليوز 1936 ألقي القبض عليه في برشلونة واقتيد إلى سجن غوادالاخارا، إلا أنه تمكن من الهرب واللجوء إلى سفارة فرنسا، قبل أن يتوجه إلى بورغوس حيث تم تعيينه رئيساً لمحكمة العدل العسكرية العليا في إسبانيا حتى يناير 1939[7].



[1] Emilio Barrera Luyando. Gran enciclopedia catalana.

[2] La Guardia Civil en África (IV). el faro Ceuta-Melilla. 27 de Abril de 2008.

[3] MARIANO CAÑAS, (coronel retirado), nos envía esta foto de su abuelo el TENIENTE GENERAL EMILIO BARRERA, Capitán General de Cataluña… www.fotosdelamili.com/DW3_E_TIERRA-1800-1935.html.

[4] González Calleja, Eduardo (2011). Contrarrevolucionarios. Radicalización violenta de las derechas durante la Segunda República, 1931-1936. Madrid : Alianza Editorial. P : 82.

[5] Idem p : 185.

[6] «La sentencia referente a los sucesos del 10 de agosto». ABC (Sevilla): 36. 21 de marzo de 1935. www.abc.es/archivo/periodicos/abc-sevilla-19350321-36.html.

[7] ABC-Madrid, 6 de mayo de 1943. www.abc.es/archivo/periodicos/abc-madrid-19430506-10.html.


مراجع

·       González Calleja, Eduardo (2011). Contrar revolucionarios. Radicalización violenta de las derechas durante la Segunda República, 1931-1936. Madrid : Alianza Editorial. ISBN 978-84-206-6455-2.

 

مواقع إلكترونية مرجعية

·       https://enciclopedia.cat

·       http://fotosdelamili.com

·       https://web.archive.org

·       https://abc.es/archivo





السبت، 28 نوفمبر 2020

موظف الاستقبال

بقلم ذ/ عبد السلام التدلاوي


ناداني بابتسامة ناصحا أن أضع حقيبتي فوق كرسي المقهى عوض وضعها على الارض، وأنا آخذ مكاني على إحدى الطاولات الخارجية. شكرته وحذقت إليه محاولا التذكر. كان وجهه مألوفا. خاطبني مشيرا إلى أن لهجتي شمالية.

_عرائشي بحقيبة سفر منذ زمن طويل. وجهك مألوف لدي سيدي

_ أنا أشتغل في فندق إسبانيا اسمي "الفاضل"

_ الآن عرفتك، أنتما اثنان، تعملان في الاستقبال في الفندق منذ عقود طويلة.

_ تقصد زميلي ادريس اخريشف، رحمه الله

_ إنا لله وإنا إليه راجعون، لم أدر إلا الآن.

تأسفت للخبر، واستطردنا في الحديث، حدثني عن ظروف وفاة زميله، و عن ظروف العمل، و عن اللغات الست التي يتحدث، مشيرا أنه في طور تعلم اللغة السادسة

_ كم هو جميل أنك مازالت لديك رغبة للتعلم، هذا ما يسمى بالفعل تعلما مدى الحياة. ما هي اللغة السادسة؟

_ الإيطالية، اتعلمها من خلال قناة تلفزية، إنها ما بين الإسبانية والفرنسية.

_ أنا كذلك حاولت تعلمها، لم أكن موفقا.

_ ا تدري؟ سبق واشتغلت في فندق بطنجة، كنت لا اتكلم الإنجليزية، وحيث كان معظم زبنائنا إنجليز، تعلمت الإنجليزية في أربعة أشهر، كنت أتلقى دروسا خارج أوقات العمل. كنت أدفع نصف أجرتي مقابل كراء غرفة في بنسيون، والنصف الآخر مقابل دروس الإنجليزية

_ إذن كنت تعيش من بقشيش الزبائن، ومن تقديم خدمات اخرى كالإرشاد السياحي

_ وما أدراك؟

_ اشتغلت موظف استقبال بفندق.

_ أنت ابن الحرفة إذن، بالفعل اشتغلت مرشدا لفترة من الزمن في طنجة...ماذا عنك؟ ماذا تشتغل اليوم؟

_ امتهن التعليم حاليا.

_ أفضل بكثير من شغل الفنادق، هنيئا لك، مهنتنا أحوال أصحابها لا تسر.

_ أعرف ذلك با الفاضل، و مع ذلك يطلب منهم رسم الابتسامة على الوجه، لقد رسمتها على وجهي مدة خمس سنوات. 

واصل الحديث عن معاناة الحجر الصحي، وما بعده، بعد ان تراجع القطاع بكثير. سألته عن نوعية زبناء الفندق، رد قائلا:

_ كما تعلم، اسم الفندق "إسبانيا" وبجانبها كان في يوجد مسرح إسبانيا، صاحبهما كان إسباني يدعى فيديريكو. نشاط الفندق كان مرتبطا بشكل كبير بأنشطة المسرح الذي كان يستقبل جميع العروض الإسبانية المسرحية والفنية بشكل عام، استقبل المسرح والفندق جميع فناني الساحة الإسبانية أواخر سنوات الاستعمار، أتدري قيمة ما أقول؟

_ نعم، وبعد الاستعمار؟

_ ظل الفندق يستقبل جميع الفنانين المغاربة المارين من العرائش.

_ بالتالي الركود الثقافي الذي نعيش اليوم له أثر على ركود قطاعكم؟

_ أجل، وكذلك كان هدم بنيان شاطئ راس الرمل نقطة تحول كبير في تاريخ القطاع. لم نعد نستقبل سياحة بالعدد الذي كنا نستقبل، لم يعد الشاطئ كما كان من قبل. اما بالنسبة للثقافة، فما زال قبر جان جونيه يستقطب زوارا، يأتون إلى الفندق. أتدرى أن جان جونيه كان يقيم في فندق إسبانيا؟

_ نعم لقد قرأت هذا.

_ أراك مهتما بالتاريخ.

_ أهتم بتاريخ البشر أكثر مما أهتم بتاريخ الحجر، لذلك أتسمح أن آخذ رؤوس أقلام عن حديثنا هذا، لكي أدون وأنشر بعد إذنك هذا التاريخ؟

_ بكل سرور... لكن لم تقل لي من تكون؟

_ وُلدت في ذلك البيت المطل على الساحة

_ إذن خالك هو السي محمد رحمه الله، كان صديقي بالرغم من أنه يكبرني سنا، كان فنانا تشكيليا معروفا خصوصا لدى الإسبانيين. كان نعم الصديق، ظل يراسلني بعد أن هاجرت إلى هولندا، حيث قضيت هنالك فترة غير قصيرة.

_ كنت مهاجرا! تجاربنا متشابهة إلى حد بعيد، مع أن تجاربك أطول وأعمق.

طلب مني المعذرة لملئ شبكة كلمات مسهمة، أخرج جريدة ورقية من جيب سترته، تركته ينهال على الجريدة بنهم. وحين انتبه إلي أنظر إليه وهو يقبل على الشبكة باهتمام كبير، قال:

_ بالرغم من تحدثي لغات أجنبية، أحب اللغة العربية، إنها "معشوقتي". تعالى، لاحظ، كنت على وشك أن أتم شبكة أمس، كلمة واحدة لم أكن موفقا فيها، "معلَّم", إنها مرادف ل "موسَّم" خلتها "معلِّم"

_ بل أنت معلِّم، لقد أضفت إلى قاموسي للتو كلمة جديدة، أنت علامة للفندق وجزء من رأسماله، قرأت تعاليق الزبناء عنك، تستحق منا أن نوسِّمَك بوسام شرف تضعه على بذلتك و أنت تبتسم للزبناء في بهو الفندق.

_ هذه الابتسامة عمرها خمسون سنة.

_ إنها رأسمال بشري...دامت لنا الابتسامة.

الخميس، 19 نوفمبر 2020

سي علي البلوط: فكاهي البلاط العزيزي


بقلم: عبد الحميد بريري


لا يذكر اسم البلوط في مدينة العرائش إلا ويقترن بالفكاهة والضحك. كان آخرهم عبد السلام بن علي البلوط الذي عرفه العرائشيون ب قفشاته وهزله. وقد ذكر صاحب أضواء على ذاكرة العرائش المفضل التدلاوي، وهو من أبناء المدينة، منهم شخصين الأول محمد بن عبد القادر البلوط موظف بالديوانة ومن حفظة القرآن الكريم واحمد البلوط وعلي بن عبد القادر البلوط ضمن أعيان المدينة ووجهائها وزاد لهذا الأخير أنه كان موسيقيا وفكاهيا بمجالس الملوك وأكابر الدولة (1) وهو المعني بهذه السيرة والمتزامنة مع عهد السلطان المولى عبد العزيز. 

وفي وثائق أرشيف المغرب أشير إليه أنه خلف احمد ابن سودة في قراءة صحيح البخاري على السلطان المذكور وأشار كذلك إلى الحرفة التي كان يشغلها من قبل بالديوانة، وقد حدد سبب تسميته بالبلوط لمهام لها مرتبطة بهذه الأخيرة. وارتباطا بالاسم والمهنة وعلاقتها بالبحر وهو ابن مدينة العرائش، ذكرت نعيمة هراج التوزاني في تعريف ببعض المصطلحات المستعملة في المراسي في عهد السلطان المولى الحسن، أن "البلط"، وهي كلمة عجمية، وهو ذلك الربان الذي كان يقود السفن وتسترشد به للدخول إلى المرسى. ولا زالت هذه الحرفة قائمة إلى اليوم بمرسى العرائش وتتبع لوزارة التجهيز (2). وكيف لا أن يكون سي علي قد مارس هذه الوظيفة في مرسى مدينته التي كان يصعب على السفن الرسو فيها إلا بمرشد عارف بأغوار البحر فأخذ لقبه عنها أو أخذه عن أجداده الذين بدورهم قد مارسوها فورثوها لأبنائهم. 

كما نجد صاحب كتاب "في صحبة السلطان" الفرنسي ݣابرييل ڤير GABRIEL VEYRE، قد أشار إلى هذه الشخصية وذكر جزءا من حياته في القصر الملكي، فتحدث عن سبب حظوته بأن أصبح مهرجا للسلطان المولى عبد العزيز لا يفارقه بهزله من بين مجموعة من المرافقين للسلطان من الأوربيين وغيرهم؛ حيث كان رئيس جوق موسيقي فلفت نظر السلطان بحركاته وقفشاته فطلب منه مرافقته فلقبه ب"فوراخ"fourach""(فوقاش)"(4) لكثرة استعمال هذا المصطلح والذي يستعمله الفاسيون ومعناه "متى"(3). واعتبر كابرييل فير أن عادة اتخاذ الملوك مهرج كانت عادة سارية في أوروبا وذكر أحدهم فليبي الثاني ملك اسبانيا(...)، وبالنسبة لسلاطين المغرب فأول من اتخذها هو السلطان المولى عبد العزيز صدفة حين وقع نظره على سي علي البلوط.

ومن إحدى صور هذه الحياة الهزلية التي سقط فيها البلوط ضحية، أنه ذات يوم وجده السلطان مولاي عبد العزيز راكبا على دراجته ذات المحرك، فأراد ممازحته فشغل محركها ثم سارت حتى اصطدمت الدراجة بالحائط، فكاد " فوقاش" أن يجن من هذه المزحة والسلطان يضحك.  وفي أخرى سيجعل البلوط وزير الحربية المنبهي هو موضوع الهزل، وذلك عندما استفسره السلطان عن عدم الزواج، فأرجع الأمر لعجز وزيره هذا، أن يهديه إحدى إيمائه على سبيل السخرية منه، فاستدعاه هذا الأخير لاختيار إحداهن ففعل. وفي اليوم الموالي سأله السلطان عبد العزيز عن الأمة التي وقع اختياره عليها فغير فوقاش ملامح وجهه معبرا عن عدم رضاه عليها، فزوجه بإحدى إيمائه فبات له زوجتان. 

ولن نفي بالوصف الجزئي والتفصيلي لهذه الصور من حياة الرجل إلا بعرضنا لما كتبه هذا الأجنبي، وهو الذي عايشه، بأسلوب بليغ بتعريب الأستاذ عبد الرحيم حزل، وإن كان فيه نظر لأنه يصدر عن عقلية لها خلفية ثقافية أخرى فيها نوع من الانتقاص من الشخصية المغربية والإحساس بالدونية اتجاهها والعمل على إبراز ضعفها، ككتابة أمثاله من الأجانب الرحالة وغيرهم؛ مع أن مهمته كانت التصوير الفوتوغرافي وتشغيل الآلات الحديثة أنداك التي كان يشتريها السلطان؛ عشية الانقضاض على المغرب وفرض الحماية عليه بداية القرن العشرين.


يقول كابرييل فير في شان هذه المشاهد من حياة البلوط في القصر الملكي، حيث يصور هذا الشخص بما عاينه من شكل جسمه وملامحه وملبسه والمهام التي شغلها بالقصر قبل أن يشتغل مهرجا يسلي السلطان والسبب في ذلك واستبدال اسمه بلقب عرف به هناك وذكر ما سجله من مزاحه وهزله (4): {لكن ليس عليكم أن تتصوروا هذا الشخص، واسمه سي علي بلوط، في صورة قزم أصدف (من تكاد ركبتاه تتماسان) … بل كان بشوش المحيا أسمر اللون. وكان يعن للسلطان، في بعض الأحيان، أن يراه في ثياب رثة شديدة التنافر والغرابة: تتألف من نعل على النمط الأوروبي، وأزياء أرسل بها أحد مموني تجهيزات الجيش لتكون عينة، يطمع بواسطتها في قبول عرضه لتزويد الجيش ببعض الأزياء. وكان جميل القوام ن متناسق البنية، جسورا يميل إلى الصلافة.

كان، من قبل، رئيسا لفرقة موسيقيين في مدينة مراكش، كانت تأتي في كل خميس، لتعزف في حضرة السلطان ونسائه، وتسليهم لبعض الوقت، إذا كان هذا اليوم اشبه بيوم عطلة، يغلق فيه القصر أبوابه في وجه كل أجنبي، ويتفرغ سيدنا كليا، للأفراح العائلية.

وانتبه مولاي عبد العزيز إلى هذا الرجل، إما لإعجابه بحركاته، وتقطيبات وجهه، يوم كان يسير جوقه الصغير، أو لأنه آنس بوجهه وانجذب إليه. ثم كلمه السلطان. فرد عليه ببعض الملح الموفقة، التي أضحكته. وكان ذلك كافيا. وعليه، فقد تخلى سي علي بلوط عن فرقته، ولبث مقيما في القصر.

وقام السلطان، في البداية، بتغيير اسم سي علي بلوط، إذا جاز لي القول، وأسماه فوقاش - وهي كلمة تعني: متى؟

والكلمة نفسها، تقال في مدينة مراكش: إمتا؟ وظل السلطان وحاشيته يستعملون هذه الكلمة. ذلك بأن في فاس يقال: فوقاش؟ 

فلما قدم سي علي إلى هذه المدينة، وكان كثير السؤال بطبعه، أخذ يفرط في استعمال كلمة فوقاش؟ طرب مولاي عبد العزيز لذلك، فأسمى مهرجه باسم فوقاش. فما عاد يعرف، منذئذ، بغير هذا الاسم.

  وعليه، فقد كان فوقاش متحررا، على وجه الإجمال، في كلامه حتى عندما يتحدث إلى السلطان. غير أن الاحترام الواجب على كل مؤمن نحو الشريف، سليل الرسول، كان بمنع هذا المهرج من الإفراط في ممازحة السلطان، وكثيرا ما كان يلجم دعاباته. ولم يكن يجيز لنفسه، بكل تأكيد، أن يتلفظ بكل ما يطلب السلطان عند الحاجة.

وأما مولاي عبد العزيز فكان يمازح مهرجه، في بعض الأحيان، ببعض المزاح القاسي العنيف. ومن قبيل ذلك أنه رآه ذات يوم، جاثما فوق دراجة ثلاثية العجلات ذات محرك، لم تكن للمهرج أية معرفة بتشغيلها - لكنه كان مهووسا بتقليد ما كان يرانا نفعل - فقام السلطان بتشغيل الآلة، وأطلق الرجل والدراجة ليصطدما بسور القصر، لا يهمه من أمرهما أن يلقيا التحطيم في نهاية ذلك السباق. وإذا المسكين فوقاش تستولي عليه الحيرة، ويجن جنونه، وإذا هو يشرع في إطلاق صرخات مثيرة للشفقة، ويتوسل إلى السلطان أن يبقي على حياته. لكن القهقهات التي أطلقها السلطان، من فرط استمتاعه بذلك الموقف المضحك، أعادت الطمأنينة إلى نفس فوراخ. فقد كان مولاي عبد العزيز إنما أفرط في ذلك المزاح القاسي على غير عادته

  وسنحت لفوراخ فرص ومناسبات كثيرة ليتدارك ما حدث، فكان يصب جم انتقامه عموما، على أصدقاء السلطان، إذ لم يكن يجرؤن وهو التابع المحترم لسيده، على مهاجمة هذا السيد نفسه. وأتذكر، في هذا الصدد، حيلة غاية في الخبث، أوقع فيها المنبهي.

فقد بدأ في التشكي من الوحدة التي يعيش فيها. 

فليس له أمة، ولا امرأة، (هذه الخادم اللطيفة، لكل من لا يملك خادما). وهو وضع بدأ يثقل عليه.

ثم قال للسلطان كأنما ليختتم كلامه:

لو أن لك، على الأقل، وزيرا للحربية يكون أكثر كرما، ألم يكن، وهو واسع الثراء، ليشفق علي، ويمنحني امرأة! … 

فانطلق مولاي عبد العزيز ضاحكا، مستمتعا بهذه المزحة.

وكان يجب على سي المنبهي أن يستحسن، هو الآخر، ذلك الكلام، ويرد عليه بحذق ومهارة. فقد أجاب فوقاش قائلا:

لكن لماذا لم تتكلم من قبل؟ فلتأت عندي غدا، وسوف أجعلك تختار أمة من بين إمائي.

وبذلك حصل فوقاش على أمته، _ أمته الأولى، ذلك بأنه سوف لا يتوقف في بداية هذه الطريق الجميلة.

وفي اليوم بعد الموالي، سأل السلطان مهرجه كيف قضى ليلة زفافه.

فمط فوراخ شفتيه ساخرا، ونظر إلى سيدنا، ثم إلى المنبهي، وشرع يحكي قصة ضحك لها السلطان حتى كاد يغمى عليه.

ولا أجرؤ على سوق هذه القصة في هذا المقام، إذ أنني لست متيقنا من أنه سوف لا يقرؤها غير المنحلين والمتهتكين، فلا أرغب في أن يتملك الخجل مهما كان هينا، أحدا من قرائي. وخلاصة تلك القصة أن سي علي بلوط اشتكى من الرجل العظيم الذي جاد عليه بتلك الزوجة أنه سبق له أن لقنها عادات مناقشة للنظام الطبيعي للأشياء، بحيث لن يكون في مقدوره، ما لم يفلح في علاجها من هذا الانحراف، أن يطمع، أبدا، في أن يكون له منها ولد. 

ولم يجد مولاي عبد العزيز بدا من التفريج عن مهرجه فوراخ. فقد دعاه إلى أن يختار أمة ثانية من بين حريمه الخاص، وهو أفضل من حريم المنبهي بما لا يقاس. وبذلك أصبح لفوقاش امرأتان، وكانت تلك بدايته لتكوين حريمه!}

وصف يثبت ما اشتهر عن سي علي البلوط من الفكاهة والضحك والموسيقى، ويظهر كذلك أنها ليست كل الطرائف التي نقلها لنا عنه؛ لربما أخفى بعضها وذكر ما يوافق قناعته.


السيد علي بن عبد القادر البلوط

الهوامش 

1.     أضواء على ذاكرة العرائش المفضل التدلاوي ط/1 يوليوز2001 الشنتوف ادريس طنجة ص 239، 248، 249 وإطلالة على النغم المغربي الأصيل المفضل التدلاوي ط/1 الشنتوف/ التدلاوي ابريل 2000 ص: 50.

2.     ARCHIVES MAROCAIN / mision scientifique du maroc volume 18 PARIS ern



est leroux Editeur 1912 p :334.

·       الأمناء بالمغرب في عهد السلطان مولاي الحسن نعيمة هراج التوزاني.

3.      كتبت بالأحرف اللاتينية fourach في نص الكتاب باللغة الفرنسية؛ مع أن المعنى المؤدى حسب الكاتب هي متى وبالدارجة المراكشية هي "يمتا". وفي العرائش ومنطقتها اليوم حيث ولد البلوط وتربى، يقال اليوم فوقاش أو فوياخ أو فيواخ وليس كما كتبت فوراخ كما نقلت عن كتابتها بالأحرف اللاتينية. فلا نعلم هل تحورت هذه الكلمة أم الكاتب سمعها خطأ. وتفطن لهذا بعد الكتابات التي تناولت هذا الكتاب وكتب فوقاش وهو ما سنعتمده عندما سنعرض نص سيرة البلوط لأنه النطق الذي نستعمله إلى الآن.

4.      في صحبة السلطان كابرييل ڤير ترجمة عبدالرحيم حزل ط/1 جذور للنشر الرباط سنة 2003 ص : 63، 64, 65