بقلم: د. عبد اللطيف القرشي
في أواسط ثمانينيات القرن الماضي، لم
نكن في حاجة للذهاب إلى العالم لأن العالم المعروف عندنا كان يأتي إلينا، طوعا أو
كرها... والحقيقة أن العالم المعلوم عندنا نحن سكان الهامش المغضوب عليه حينها لم
يكن بالشساعة التي صار عليها اليوم، فالخارجي منه كان يحدّ في بلجيكا التي كنا
ننطقها "برجيكا" وانچلطيرا
وفرانسا وصپانيا وربما هولندا أو حتى ألمانيا، أما الداخل فلا يتعدى ما كنا نسميه
"الداخلية" هكذا بلفظ عام مبهم يبدأ مما وراء القصر الكبير وينتهي حيث
لا نعلم له حداً ولا جغرافية.
كنا شباباً فيما دون العشرين غالبا،
بأفق جغرافي محدود جدا. الكثير منا لم يغادر العرائش إلا لزيارة بعض الأقارب في
المدن القريبة كأصيلة وطنجة أو تطوان، ولم نكن نعرف عما يحدث خارج " البلاكة
دالربعين " لمدينتنا الصغيرة أكثر مما تجود به شاشات السينمات الأربع
للمدينة: أبينيدا، إيديال، كوليسيو وصبانيا، أو إتم، القناة اليتيمة والشحيحة
للتلفزيون الرسمي، وأحيانا بعض القنوات الإسبانية التي كنت نلتقطها عندما تسمح
حالة السماء بذلك وربما أيضا من بعض الكتب والمجلات التي نتداولها كغنائم سرية.
لكن، بالرغم من هذه العزلة، كان العالم يجد طريقه إلينا عبر الشريان النابض الذي
كان يخترق قلب المدينة قبل عصر "الأوطوروت"، إنها الطريق الوطنية رقم 1.
فعندما يحين الليل وتنتشر النسمات
الرطبة القادمة من جهة البلكون اطلنتيكو ممزوجة بعطر مسك الليل المنبعث من
"خردين الهسبريديس"، كان شباب المدينة يتوجهون، كمن يساق إلى موعد غرامي
يومي مع المجهول، نحو المقاهي المنتشرة عند النقطة التي تخترقها تلك الطريق
الوطنية. هذه المقاهي التي تختزن في ذاكرتها تفاصيل هذه المرحلة وذكريات هذا الجيل
الذي هو جيلنا. ومن دون شك انها تختزن ذكريات اجيال اخرى قبلنا وبعدنا.
كنا نقصد في الغالب مقهى "كواطرو
كامينوس" (الأربعة طرق) أو مقهى "كرميلو"، أما أولئك الذين كانوا
"ميسورين قليلاً" وآنسوا من أنفسهم بعضاً من الجرأة الاجتماعية فكانوا
يعرّجون على مقهى "أطلس " أو القهوة درابح التي كانت بورصة حقيقية ل
"العياقة" الشبابية في تلك المرحلة. هناك، من على تلك الكراسي، كنا نرى
العالم يفد إلينا، ومن خلال تلك الرقعة الجغرافية الصغيرة كنا نكتشف
"الداخل" و"الخارج" على السواء.
أعتقد أنه في تلك المرحلة، بدأ تتردد
كلمة "الزماكرية"، هؤلاء المهاجرون المغاربة الذين عبروا البحر والذين
يسوقهم الحنين إلى أرض الوطن كل صيف انطلاقا من مغترباتهم المتعددة والمتباعدة.
غالبا ما كانوا يتوقفون بالعرائش كأول نقطة آمنة ومريحة بعد خروجهم من جحيم ميناء
طنجة المدينة. كان ذلك قبل ميلاد مؤسسة محمد الخامس وعملية مرحبا وقبل طانجي- ميد.
كان أفراد " جاليتنا بالخارج"، الذين أصبح الخطاب الرسمي اليوم يسميهم
"مغاربة العالم" أو MRE، (المواطنون) المغاربة المقيمين بالخارج
يصلون إلينا وقد أنهكتهم مئات الكيلومترات من السياقة المتواصلة انطلاقاً من ديار
الغربة، فتجدهم يتأهبون لـ "طلق الأرجل" وأخذ قسط من الراحة.
أما نحن فكانت تسليتنا تتمحور حول
متابعة ماركات السيارات والتعرف على الموديلات الجديدة وفك رموز لوحات الترقيم
الفرنسية والهولندية والألمانية والبلجيكية. وفي الحقيقة أن تلك الموديلات في تلك
الفترة غالبا ما تكون قديمة في بلدان المصدر لكنها في أعيننا كانت تلمع فخامة رغم
كل ما اعتلاها من غبار الطريق. في تلك المرحلة بدأنا نلاحظ وفود المهاجرين الأوائل
الذين انتقلوا للعمل في إسبانيا أو إيطاليا كوجهتين جديدتين لم تعهدهما الهجرة
المغربية من قبل. أحياناً، كانت تتوقف سيارات تحمل لوحات من جهات لم تكن معارفنا
عنها تتجاوز ما تعلمناه في مقررات الجغرافيا، كالسويد والدانمارك وغيرهما.
البعض الآخر كان يجد تسليته في مغازلة
فتيات كنا نراهُنّ، بمعاييرنا المحافظة آنذاك، على درجة معينة من الميوعة والتحرر.
فتيات يرطنّ بلغات نكاد لا نفهم منها سوى القليل، ما عدا إذا أسعفتنا بعض التعابير
من فرنسيتنا المدرسية أو شيء من الإنجليزية.
أما المشهد الذي كان يثير فينا مزيجاً
من الغيرة والكوميديا السوداء، فهو تلك المتلاشيات والغنائم الغريبة التي كان
المهاجر يجهد نفسه في شحنها وتثبيتها بالحبال فوق سطح سيارته. كنا نسخر من بعضهم
وهم يحملون "خردات" حقيقية "مصدية" وربما غير صالحة
للاستعمال، وكنا نشاهد أحياناً بعض "الزماكرية" يباشرون بيع تلك
المتلاشيات للجالسين في المقهى حتى قبل أن يصلوا إلى وجهتهم النهائية! وكنا نخمن
من لكنتهم البدوية أنهم يستغلون توقفهم بالمدينة للتخلص من هذه السلع قبل الوصول
إلى قراهم حيث قد لا يجدون من يشتريها، خاصة الأجهزة الكهربائية في فترة كانت فيها
الكهرباء مجرد إشاعة في معظم القرى المغربية في مغرب الثمانينات.
لم يكن ذاك التجمع في مقاهي الطريق
الوطنية رقم 1 مجرد تزجية للوقت، بل كان استثماراً في المستقبل بالنسبة للبعض، من
خلال البحث عن سبل الهجرة ومعانقة "الأوروبيان دريم". كان شباب المدينة
الذين لفظتهم المدرسة يتهيؤون لموسم عودة المهاجرين مبكراً جداً، من خلال ممارسة
رياضات كمال الأجسام في لايبيكا لـ "تعمير الكتاف" و"نفخ الصدور"،
وجمع بعض الدريهمات لشراء ملابس "عليها القيمة" (على لغة إخواننا
المصريين) لعله لعلهم "يصيدون" في مقهى الأطلس واحدة من المهاجرات،
تعجبها وسامة أحدهم وخفة دمه فتقبله زوجاً وتنقذه من أزمة البطالة الخانقة التي
عصفت بأحلام شباب المغرب آنذاك بفعل توصيات "صندوق النقد الدولي" وسياسة
التقويم الهيكلي المشؤومة.
في تلك المرحلة أيضاً، بدأت إرهاصات
السياحة الداخلية للطبقة الوسطى، ولعلها كانت بداية الترويج للمناطق الشمالية
كوجهة صيفية: أصيلة في ارتباط بمهرجانها الصيفي الذي دشنه محمد بنعيسى، ومدن طنجة
ومرتيل وكابونيغرو، وعريويشة الدريوشة كذلك.
كنا نجد نحن، أبناء الهامش وأبناء المناطق
الشمالية المعروفة بطابعها المحافظ الصارم، أن "الناس د الداخل" يتوزعون
بين أثرياء أخر لحظة الذين يبدون من خلال مظهرهم وتصرفاتهم كشخوص خرجت لتوها من
فيلم Les
Bronzés لباتريس لوكونت،
او من الأثرياء المستغربين حد الاستيلاب، يتصنعون انتماءً غير انتمائهم ويتماهون
في الكثير من السلوكيات مع ثقافة غير ثقافتهم، فالنساء والفتيات يلبسن لباساً غير
محتشم بمعاييرنا المحلية، وكلهم يقحمون كلمات وعبارات بالفرنسية متصنعين الظهور
بمظهر "حداثي"، وهي حداثة من نوع خاص لم نكن نطلق عليها هذا المصطلح
بشحنته الفلسفية والإيديولوجية التي صارت له لاحقا، بل كنا نراها مجرد
"عياقة" ورفاهية زائدة.
اليوم، عندما تمر السيّارات مسرعة عبر
الطريق السيار "الأوطوروت" محاذية العرائش دون أن تدخلها، أتذكر كيف
كانت الطريق الوطنية رقم 1 تأتي بالدنيا كلها إلينا وتضعها أما أنظارنا في مقاهي
الهامش. لقد تغير العالم، ولم نعد ننتظره على قارعة الطريق... بل صار هذا العالم
يسرق منا كل وقتنا من خلال شاشاتنا الصغيرة والمتوسطة والكبيرة وحتى الكبيرة جدا.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق