الثلاثاء، 22 يناير 2019

هاوزر ومينيت ونشأة البطاقة البريدية الإسبانية


   محمد عزلي


تعد شركة "هاوزر ومينيت" واحدة من أشهر وأكبر المطابع المتخصصة في الصورة الفوتوغرافية في القرن العشرين بإسبانيا، خزان كبير من الوثائق والصور يعتبر أحد أهم ركائز الأرشيف الفوتوغرافي والذاكرة المشتركة المغربية الإسبانية لمدة جاوزت القرن من الزمن، لم تترك شبرا من الأراضي الخاضعة للحكم الإسباني إلا ووثقته، اشتغلت لحسابها ولحساب العديد من المجلات والجرائد والمؤسسات التي اعتمدت الصورة الفوتوغرافية أداةً رئيسيةً أو مكملةُ لمنشوراتها من قبيل الجامعات، الجمعيات، مؤسسات الدولة، وبعض الشركات الخاصة. وهي المؤسسة التي بفضلها دخلت البطاقة البريدية حيز الوجود في إسبانيا ومنها إلى مناطق نفوذها بالأراضي المغربية في الشمال والصحراء قبل وأثناء وبعد عهد الحماية في القرن العشرين.

بدأت الحكاية عندما تعرَّف الصديقين السويسريين "أدولف مينيت كورستينير" و "أوسكار هاوزر مولير" على بعضهما في باريس، ثم انطلقا معا إلى العاصمة الإسبانية عام 1888 ليبدأ مشوار احترافهما فن الصورة الفوتوغرافية من خلال اشتغالهما في شركة الفن الفوتوغرافي بمدريد قبل أن يؤسسا شركتهما الخاصة عام 1890 برأس مال قدره 50.000 بسيطة، وفي العام الموالي أطلقت الشركة مشروعها الأول تحت اسم إسبانيا إلوسترادا (إسبانيا المصورة) حيث تم تكليف المصور فرانسيسكو بيريز ليناريس بمهمة جمع أكبر قدر من الصور الفوتوغرافية في رحلة عبر فيها كل أرجاء البلد، أثمرت في النهاية مجموعة رائعة تجاوزت 2300 صورة ظهرت بعد عام 1897 كبطاقات بريدية معروضة للبيع بشكل فردي أو كألبومات من 20 بطاقة ابتداءً من العام 1899 تباع في كل ربوع إسبانيا. أدخلت المطبعة إلى إسبانيا تقنية حديثة وناجعة في زمنها تسمى "فوطوتيبيا"، وكانت هاوزر ومينيت أول وأفضل من استعملها في إسبانيا على الإطلاق، ومن بين أشهر زبناء الشركة كانت الجمعية الإسبانية للرحلات والتي استخدمت الصور في نشراتها الشهرية المطبوعة، ثم المجلة الإسبانية الشهيرة (بلانكو إي نيغرو). وقد تزامن العصر الذهبي لهاوزر ومينيت مع حمى جمع البطاقات البريدية في أوروبا خلال مطلع القرن العشرين، حيث تشير إحصائيات الصديقين السويسريين عام 1901 إلى توزيع نصف مليون بطاقة بريدية في الشهر، على الرغم من المنافسة القوية للمطابع المتخصصة مثل (ج.لوران، فوسيل ورومو، سايز كاييخا).

عاد أوسكار هاوزر إلى سويسرا لأسباب صحية عام 1919 وتوفي هناك بعد بضعة أشهر، ليترأس أدولف مينيت الشركة منفردا إلى حين وفاته في 6 من غشت 1927، فتسلمها وريثه ألونسو الذي واصل قيادتها إلى أن توفي بدوره عام 1939. بعدها مرر شريكه ببيريز ليناريس مفاتيح المؤسسة إلى المالك الجديد ألبيرتو ويكلي الذي أدارها إلى غاية 31 ديسمبر 1959 تاريخ تحولها إلى شركة عامة محدودة. واصلت هاوزر ومينيت النشر للجرائد والمجلات وأشهر النشرات من بينها (لاكايي، سابادو غرافيكو، أولا، تريونفو، إنترفيو) وبعد حوالي قرن من الوجود، أعلنت شركة "هاوزر ومينيت" إفلاسها عام 1979 لكنها قاومت الإقفال عن طريق خطة للتسوية ضمنت استمرار العمل حتى عام 1996 تاريخ اختفاء الشركة نهائياً.

اختفت مؤسسة "هاوزر ومينيت" قبل ربع قرن تاركة رصيدا هائلا من الأرشيف الفوتوغرافي الذي أصبح اليوم يشكل مواد صلبة تبني وتكمل دراسة التراث الثقافي المادي والرمزي وكذا البحث في التاريخ المعاصر لإسبانيا والمناطق التابعة لها في القرن العشرين ومنها المنطقة الخليفية بالشمال المغربي، إنها صور كلاسيكية ذات حمولة تاريخية وجمالية و سحر نوستالجي أصبحت تلقى إقبالا وانتشارا وتفاعلا عاطفيا كبيرا اليوم من خلال الفضاءات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي في كل أرجاء الكوكب.


مراجع

·       Portal de Archivos Españoles. Ministerio de educacion, cultura y deportes. Institucion Hauser y Menet S A Madrid, España.
·       Las tarjetas postales. Atrapados en blanco y negro. Ministerio de educacion, cultura y deportes. [sitio web oficial]
·       Hauser y Menet presento ayer solisitud de suspension de pagos. Diario el pais 14/02/1979.

جهاد العياشي لتحرير العرائش في القرن السابع عشر

غزوات المرابط العياشي لتحرير العرائش من خلال كتاب العرائش: بيانات من تاريخها في القرن السابع عشر



    بقلم: عبد الحميد بريري

بعد الهجوم الذي قام به العياشي على المعمورة سنة 1627 واستمرار حصاره لها، الحاكم الإسباني بالعرائش يتصل بالسلطات الإسبانية عبر ميدينا سيدونيا لإرسال المساعدات العاجلة، وقبل وصول ذلك أرسل دون دييغو دوبيرا الحاكم بالنيابة مساعدات إلى المعمورة عسكرية ولوجيستيكية. في الفترة نفسها جميع قبائل الشمال تتوحد تحت إمرة العياشي بما فيها قبائل العرائش والقصر الكبير التي كانت خاضعة للقائد [المنصور بن  يحي] الأمر الذي أزعج الإسبان بالعرائش [ص166]. نهاية سنة 1628 ستعرف حدثين كانا من الأسباب المباشرة التي جعلت العياشي يولي الاهتمام للعرائش. هذان الحدثان كانا بمثابة عقاب جماعي على انضواء القبائل المجاورة للعرائش تحت طاعة المجاهد
العياشي:
1- السيطرة على دوار مزغلفت بالقوة ومصادرة مواشيه -كانت كافية لمعالجة ظاهرة الجوع لمدة شهر في المستعمرة-.
2- أسر أربع تجار مغاربة عزَل من إحدى قبائل الهبط، جاؤوا لبيع منتجاتهم في ساحة العرائش خارج الأسوار من طرف الحاكم الكوندي دي بيلامور باعتبارهم أسرى حرب، ولأنهم ينتمون إلى قبيلة تحت طاعة العياشي الشيء الذي سيثير غضب العياشي على الإسبان بالعرائش [ص168].

كرونولوجيا الغزوات وردود الفعل الإسبانية
•   ليلة 24 من أبريل 1629، المغاربة يغنمون إحدى السفن الإسبانية وبالضبط في المياه العليا للنهر، في اليوم الموالي 25 أبريل، الإسبان يردون بشكل مفاجئ لاستردادها وسقوط عدة قتلى من الجانب المغربي في الاشتباكات وأسر لأحد الفرنسيسكان أنطونيو دو كيسادا. وعندما وصل الخبر إلى إسبانيا، عاد الحاكم  للتو حيث كان يتشافى هناك. كما أن الأخبار الرَائجة تفيد من أن المرابط العياشي قد يحاصر العرائش. فيما بعد، سيتبين أن الخبر كان غير صحيح وأنه غير عازم على ذلك [ص169].
•    10 من يناير 1630 العياشي يجمع كل قواته حول طنجة؛ أول هجوم قاومه البرتغاليون بشجاعة. هذا الهجوم تحول إلى حصار دام إلى 21 ماي من نفس السنة. الخبر ينتشر في باقي المراكز "الإسبانية" وتخوف من هذه الحشود التي أصبحت تابعة للمرابط العياشي. حكام المراكز المذكورة بالمغرب سبتة، العرائش، المعمورة أدركوا الخطر ولم يقطعوا الاتصالات مع مدينا سيدونيا؛ ليلتمس لهم لدى الملك الإسباني إرسال الجنود والأسلحة. هذا الأخير أمر مستوطني المراكز  بمساعدة بعضهم البعض في حالة الضرورة إلى حين وصول المساعدة من إسبانيا [ص170]. حادث آخر سيزيد من غضب المرابط العياشي: هو تمادي الحاكم الكوندي دي بيلامور، القريب الرحيل عن المدينة، حيث قتل المفاوض المغربي المرسول  "رطا" من قبله من أجل إطلاق الأسرى [ص171]. وعند قدوم الحاكم الجديد دون سيبستيان غرانيرو وذهاب الكوندي دي بيلامور، كان عدد الإسبان في العرائش يصل إلى 879 نسمة أغلبهم جنود وذلك خلال النصف الثاني من سنة 1630 [ص172]. الحاكم غرانيرو يتتبع تحركات المرابط العياشي من خلال تقارير تأتيه. أول تقرير وصله  يخبر بأن العياشي يقترب شيئا فشيئا من العرائش، وبأنه يحكم كل الأراضي الهبطية ويتوفر على جيش عدد مشاته 10000 و 6000 من الفرسان.  كما كانت تصل مجموعات مسلحة تطلق النار على أسوار العرائش. أما العياشي فأصبح يقيم في أصيلا ورجاله يتحركون داخل المنطقة؛ إلا أن الخطر الذي كان يحذق بالإسبان:  هو الخروج للبحث عن الحطب. وهو أمر بات يؤرق الحاكم؛ الأمر الذي لم يجد له حلا؛ إلا من مغامرات كان يقوم بها من حين لآخر؛ رغم مضايقات المغاربة له. ولهذا الغرض قرر المجلس الحربي المنعقد يوم 3 أكتوبر 1630 إرسال 10000 دوكادوس إلى الاسبان بالعرائش لتغطية مصاريف شراء  الفحم والحطب وترميم الأسوار وتقويتها إن كان ممكنا [ص172]
•       طيلة شهر أكتوبر 1630، العرائش تتعرض لضغوطات الغارات الهجومية المتكررة للعياشي إلى حدود أن أرسل (العياشي)  يوم 25 أكتوبر إلى الإسبان مهلة 10 أيام كهدنة منه للبحث عن الحطب؛ قبلها الحاكم دون أن يشعر العياشي بالحاجة الماسة والمستعجلة التي توجد عليها المحمية إلى الحطب وعلى أساس خروج رجاله للنزهة فقط [ص172] الفترة ذاتها استغلها المستوطنون الإسبان بما فيه الكفاية؛ للخروج عشرات  المرات إلى الأماكن القريبة من المدينة حيث تم اصطياد ثلاثين خنزيرا بريا واحتطاب الحطب الكافي لحاجاتهم واستغلال تلك الخرجات للتحقق من أعداد المغاربة التابعين للعياشي ووضعيتهم وهم يقومون بدوريتهم في تلك الأماكن [ص173]. المرابط العياشي لم يكن يتوقع عدم إطلاق الأسرى المغاربة من طرف حاكم الإسباني للعرائش الأمر الذي كان وراءه إجراء، تمثل في مراسلة هذا الأخير مدينا سيدونيا في شأن ذلك. وقد عبر العياشي عن حسن نيته، بإشارة منه أن أطلق سراح الفرنسيسكاني المسمى أنطونيو دي كيسادا الذي كان أسيرا لديه كوسيط لافتداء الأسرى المغاربة والتي استقرت المفاوضات بافتدائهم ب 16000 ريال من الفضة. أنطونيو هذا لعب دورا آخر؛ بحيث قام بإخبار حاكم المحمية  بما ينوي العياشي القيام به، حيث كان قد تعلم اللغة العربية حين كان مأسورا لدى المغاربة. لذا نقل لهم خبر عزم العياشي على مهاجمة العرائش في ربيع سنة 1631، وهو ما يؤكده وصول المسلمين إلى سور المدينة والطواف به لمعرفة نقط الضعف فيه . العياشي يخطط بكل اهتمام للهجوم في أي وقت ومن أي مكان حيث قام بتجميع عدد من المدافع في القصر الكبير أحدها من العيار الثقيل. وعند حلول فصل الشتاء العياشي ورجاله يغيّرون وجهتهم نحو سلا. حينها حاكم الاحتلال غرانيرو يحس بنوع من الارتياح من الانشغالات التي كان يسببها له العياشي [ص173]
•       يوم 7 من فبراير سنة 1631 خرجت مجموعة من الإسبان تحت قيادة القبطان دون دييغو رويس دي كولمينارس في مهمة جمع الحطب؛ بدون انتباه لأنه فصل الشتاء وأن المرابط العياشي لا يقوم فيه  بعملياته الهجومية؛ بناء على المعلومات المتوفرة وأنه لا يقوم بها إلا في الربيع، كما أكد ذلك أيضا بنعبود الذي كان قد سقط في يد العياشي وهو في الغابة كامن مدة ستة أشهر، حيث كان يعمل بنعبود كجاسوس للإسبان، فأراد العياشي معاقبته، فالتمس (بنعبود) عذرا منه حتى يكَفِر عن خطيئته اتجاه إخوانه في الدين، فدخل العرائش وأخبر الإسبان بوجود سكان الضواحي في حل من قتال، الشيء الذي طمع فيه الإسبان فأوقعه في قبضة العياشي، والذي قضى عليهم قضاء مبرما، ما بين قتيل وجريح وأسير مدة ساعة. وقد تضاربت الأنباء حول عدد الضحايا، ولكن الصحيح هو 436 نفس، ما بين قتيل وأسير بينهم القبطان الذي مات من جرحه فيما بعد، ومن بينهم أيضا قبطان وفارس كذلك [ص176، 177]. أما نتائج الكمين كانت كارثية على الإسبان في العرائش، ليس من حيث نسبة عدد الضحايا ولكن من حيث القادرين على مواجهة أي هجوم محتمل للعياشي على المدينة الذي يبلغ عددهم 200 رجل. وإذا قرر العياشي المهاجمة فإن المدينة ستسقط في يده في أقل من ساعة. كم كانت ردة فعل الحاكم  سريعة، إذ أرسل خمسة رسائل على متن قارب صغير إلى طنجة إلى كل من الملك الإسباني فليبي الرابع والدوق مدينا سيدونيا ودون غارسيا دي طوليدو ودون لويس برافو دي أكونيا ودون فرنانديز دو ماسكاريناس الحاكم في طنجة، مضمونها: المعاناة من الكارثة والضرورة المستعجلة للمساعدة [ص177]. بعد أيام من الكمين وصلت المساعدات من حاكمي طنجة وسبتة. الأول أرسل فرقاطتين محملة بالجنود عددهم 46 تحت قيادة قبطان بالإضافة إلى حمولة من القمح. أما الثاني فأرسل 47 جندي يرأسهم قبطان. وهم بذلك ينفذون تعليمات فليبي الرابع الذي كان قد أوصى حكام  المواقع المغربية بالتعاون فيما بينهم إلى حين وصول المساعدات من إسبانيا [ص178].
•       يوم 12 فبراير1631 دون غارسيا دي طوليدو يتصل ب "لويس برافو دي أكونيا" حول إرسال مساعدات مشتركة. الماركيز دو فيلا فرانكا يهيئ بسرعة كرافلتين ب 200 رجل تخرج من ميناء سانطا ماريا عبر قاديس يوم 13. من جانبه دون لويس برافو يجهز خمسة قوارب طويلة ضيقة العرض بالمواد الغذائية و 48 جندي، حيث كلف بالحملة القبطان دو فرانسيسكو رودريغيز بترأسها. الدوق مدينا سيدونيا من سان لوكار أعدَ كرافيلا واحدة و 2 طرطنا وسفن أخرى تحمل المواد الغذائية والعتاد الحربي، وبالتفصيل: 200 حمولة من القمح و196 من  فاصوليا البيضاء و50 من الشعير و45 قنطار من البيسكوي و60 من زيت المائدة تحملهم الكرافيلا.  كما خرجت ما بين الطرطانات وسفن أخرى تحمل بدورها 300 قنطار من البيسكوي وعدد كبير من الأدوية والعتاد الحربي يقود هذه السفن القبطان ألونسو كاسطانيو. موسم شتاء 1631 كان قاسيا بفعل سوء أحوال الطقس، الشيء الذي أثر على الملاحات البحرية وعملية العبور إلى ميناء العرائش بفعل الموج الذي يحول دون الرسو. لهذا السبب ترجع أغلب السفن فيما دخلت الباقي وهي تحمل 48 جندي تحت قيادة رودريغيز ليدسما [ص178، 179]. التخوفات من الجانب الإسباني تتزايد، إذا عزم العياشي مهاجمة العرائش التي لم تصلها المساعدات العسكرية إلا من 150 رجل التي أرسلتها محميتي طنجة وسبتة، خاصة والعياشي يحاصر العرائش على بعد قذيفة مدفع، من حصن الجنويين [برج سيدي ميمون] في الجنوب إلى جهة الرصيف [المرسى] في الشمال، حيث تغطي معسكراته كل الساحة. طيلة هذه الأيام، قوات العياشي تصل بالليل فتطلق النار على السور الذي يربط حصن سيدة أوروبا  [النصر] بحصن سان انطونيو [الفتح]. عاملين حالا دون هجوم العياشي على العرائش هما: خوفه من  المدفعية  والسفن الرابدة في البحر أمام المدينة، وأي خطأ من المدفعية وعدم وجود تلك السفن، قد يشجع العياشي التحرك من مكانه لمهاجمة العرائش. فليبي الرابع يأمر مجلسه الحربي دراسة نوعية وشكل المساعدة العاجلة إلى مدينة لوكوس؛ لذلك اجتمع يوم 17 فبراير ويوم 21 و28 منه. فقرر إرسال 20000 دوكادوس ليضاعفها فيما بعد لتغطية المصاريف المختلفة للمستوطنة كما كلف مدينا سيدونيا بتنظيم  خمس حملات  بمجموع 400 رجل ينتمون إلى الأندلس موزعة على الشكل اللآتي: اشبيلية 150، من خيريس 50، من كرمونة 25، من اسيخا 25، من سان لوكار 50، من أركوس 50، ومن اوسونا 50 [ص179]. ثم ناقش المجلس الحربي مسؤولية الحاكم غرانيرو عن الكارثة التي وقعت والذي حمل المسؤولية فيما وقع، ولأن المحمية لم تكن في حاجة مستعجلة للحطب وأنها كانت تتوفر على الكافي منه. كما انكب المجلس المذكور لمدارسة قضية خلافة الحاكم الحالي في حالة قتله إذ اقترح الملك ثلاثة أسماء لهذه النيابة وكلّف مدينا سيدونيا باختيار أحدهم لأنه أدرى بهم من غيره [ص180]. كانت حملة تعبئة الجنود مابين 15 و23 فبراير في الأندلس من طرف مدينا سيدونيا للذهاب للدفاع عن العرائش متواصلة وفليبي الرابع يأمر بدوره دون خوسي إنريكي الحاكم العام لرجال الحرب بمنطقة غرناطة بتجييش 200 رجل والالتحاق ب 200 الأخرى الموجودة بقاديس، في انتظار تحسن الطقس ومعاودة المحاولة الثانية للرسو. كما نجح الدوق ميدنيا في إعداد مجموعات من الجنود [ص180]. المساعدات العسكرية هذه لم تصل طلائعها إلاّ في  أواسط مارس، فيما تأخرت مجموعات مدينا سيدونيا. مع تقدم الأحداث  ستبدد مخاوف الإسبان بالعرائش، وخاصة بعدما علموا أن العياشي غير مستعد لمهاجمة العرائش؛ ناقلا جنوده إلى طنجة. إذ كان تاريخ هجمات العياشي على طنجة
ما بين 11 و 18 من مارس [ص181]. العياشي سيلقى الدعم والمبايعة من طرف أعيان فاس ومخاوف إسبانية من إعلان حرب مقدسة [الجهاد] على المراكز المحتلة. وقته الإسبان يواصلون استعداداتهم في الغرب الأندلسي لإرسال الجنود. وإلى حدود شهر يوليوز كانت 100 رجل جاهزة في إشبيلية للالتحاق ب 32 جندي بقاديس، تنتظر الإبحار [ص182]. أما المجلس الحربي لازال يواصل اجتماعاته خلال هذا الموسم حيث ألح على تعيين خليفة للحاكم الحالي  فيما مدينا سيدونيا الذي كلف من قبل بهذا بدا أنه غير جاهز للحسم في هذا الأمر. لهذا قرر الملك الإسباني تعيين القبطان نفاريت سوطومايور. إشاعات وصلت أن العياشي سيهاجم العرائش يوم 10 يوليوز من جديد. الخبر بمثابة إنذار لتطبيق خطة نقل الجنود بين القواعد المستعمرة حيث أرجع مركز المعمورة جنود العرائش الذين أسعفوا المحمية في السابق. كما وصلت إلى العرائش حمولتين بكرافيلا بالمساعدة من إسبانيا [ص183]. لكن قضية الأندلسيين [الموريسكيين]  بقصبة الأوداية والرباط وسلا حالت دون إتمام العياشي محاولاته التحررية؛ مصمما على إنهائها. الفترة نفسها عرف الإسبان في العرائش نوع من الاطمئنان. وفي شتنبر وصل الحاكم المؤقت نفاريت سوطومايور ورحل الحاكم الرسمي إلى إسبانيا لقضاء بعض أغراضه [ص184].




عدد غزوات العياشي لتحرير العرائش بين كتاب "المجاهد السلاوي" وكتاب "العرائش"
•       حدد عبد اللطيف الشاذلي من خلال كتابه (المجاهد السلاوي محمد بن احمد العياشي من تاريخ المغرب خلال القرن 17) وذلك من خلال جدول الغزوات التي قام بها في المغرب لتحرير الشواطئ المحتلة ومن خلال قصيدة المكلاتي 4 غزوات [ص199 و267] تتعلق بتحرير العرائش
1-   الأولى كانت بتاريخ رجب 1040 / 3 فبراير 1631
-         500 قتيل من الإسبان. صاحبا كتاب "العرائش" جعل الغزوة هذه هي الغزوة الثانية أي غزوة الحناش، وذكر أن عدد القتلى والأسرى 436 [ص176 و177]
2-   الثانية كانت بتاريخ شعبان 1040 / مارس 1631
-         غزوة الحناش أو الكمين حيث اعتبر الإسبان أن العياشي في حوز طنجة ولن يعود إلى الغرب وأنه لا يقوم بعملياته إلا في الربيع.
-         عدد القتلى 1200
-         لم يشر صاحبا كتاب "العرائش" إلى هذه الغزوة وإنما أشار إلى ذهاب العياشي إلى طنجة، بذلك يتفق مع ما أشار إليه الشاذلي التي بعد ذلك ستأتي الغزوة المذكورة بعد العودة من طنجة وذلك في شهر مارس؛  تلبية من العياشي لطلب أهل فاس بالقيام بعملية ضد المعمورة. كما أشار صاحب العرائش إلى الحصار الذي كان قد فرضه على العرائش أواخر فبراير أي بعد الغزوة الأولى [ص179-180-181]
3-   الثالثة كانت في 19 ذي الحجة 1040 / 19 يوليوز 1631
-         لم يذكر الخسائر تحدث صاحبا كتاب "العرائش" سوى عن إشاعات يوم 10 يوليوز تفيد عن عزم العياشي مهاجمة العرائش وحالة الاستنفار من طرف الاسبان [ص183].
4-   الرابعة (الأولى حسب الترتيب التاريخي) هي التي استنبطها من قصيدة المكلاتي الأكبر وهو محمد بن أحمد المكلاتي التي كان ارسلها للعياشي مادحا إياه بها ومنها:

ثغر العرائش ضاحك مستبشر     جدلان عن هذي الوقائع مخبر
غاب الرماح تشابكت أغصانها     روض المنايا بالجماجم مثمر
ومن مجمع البحرين ، هذا أحمر  ومن الحرير البهيج، هذا  أخضر
أمواجها الأبطال تبعث كلمهم        فالريح منهم ممسك ومعنبر

*******
   
واستنزل الرحمان لقيصر أنه      عصفت به وبنيه ريح صرصر
فلعله يعفو ويصفح عنهم           وعساه يبقى منهم من يخبر
ما سار نحوهم بجمع سلالمهم     إلا وجمعهم الصحيح مكسر
راموا التفاؤل باسمه وبعيشه      فبدا لهم ضد المراد فأدبروا
أضحوا حصيدا بالعراء فرائسا     أكفانهم ذاك العجاج الأكدر
الطير من قتلاهم أولم فيهم         والديب يحمد ذا الصنيع ويشكر

[ص 265 و266  و267]
وقال الشاذلي في شأنها: "ولم يذكر في النزهة، ولا العياشي ولا المكلاتي لهذه الغزوة تاريخا" [ ص267]
الغزوة هذه أشار إليها صاحبا كتاب "العرائش"، أنها كانت هجوم العياشي على سفن إسبانية في المياه العليا لنهر لوكوس؛ محددا لها تاريخ وهو ليلة 24 و25 أبريل 1629 والذي قابلها الإسبان بهجوم مضاد لاسترداد السفينة التي غنمها العياشي [ص 169]. وقد سبق هذه الغزوة أحداث أشار إليها صاحبا كتاب "العرائش" كما ذكرنا .
 والله ولي التوفيق .

مراجع:


Tomás García Figueras, Carlos Rodríguez Joulia Saint-Cyr Larache : Datos para su historia en el siglo XVII 


المجاهد السلاوي محمد بن احمد العياشي من تاريخ المغرب في القرن السابع عشر تأليف عبد اللطيف الشادلي طبعة ثانية سنة 1433/2012. منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط مطبعة الأمنية الرباط.


الأسماء اللاتينية الواردة في المادة:
- MEDINASIDONIA
- DON DIEGO DE VERA
- EL CONDE DE VILLAMOR

- ANTONIO DE QUESADA
- DON SEBASTIAN GRANERO
- RETA

- DON DIEGO RUIZ DE COLMENARES
- FELIPE4
- DON GARCIA DE TOLEDO
- DON LUIS BRAVO DE ACUÑA
- DON FERNANDO DE MASCARENHAS

- MARQUES DE VILLA FRANCA
- DON FRANSISCO RODRIGUES
- ALONSO CASTANO
- RODRIGUEZ DE LEDESMA
- DUCADOS عملة نقدية ذهبية
- DON JOSE ENRIQUEZ
- NAVARRETE SOTOMAYOR



الثلاثاء، 15 يناير 2019

من الأرشيف الفوتوغرافي لستوديو بيرو بالعرائش


محمد عزلي

أمدنا السيد إبراهيم الهاشمي بيرو بعدد من الصور الفوتوغرافية النادرة من أرشيف جده الهاشمي مؤسس استوديو بيرو الشهير بمدينة العرائش، وهي بحق تعد تحفا قيمة ووثائق متينة تساعد بكل تأكيد في دراسة جوانب متعددة من ذاكرة وتاريخ مدينة العرائش في القرن العشرين، ونحن إذ نقدم صادق شكرنا وامتناننا للصديق إبراهيم بيرو الذي ساهم في إغناء خزانتنا الفوتوغرافية بهذه القطع النفيسة ووعد بالمواصلة معنا في هذا السياق حتى يخرج لنا ما في جعبته من أسرار الذاكرة المحلية المشتركة، ندعو كذلك كل الأصدقاء الذين يحتفظون بوثائق وصور أو مخطوطات وكتب للمساهمة البناءة في توثيق تراث مدينتنا الثقافي ومساعدة الباحثين في دراسة تاريخ مدينة العرائش التليد.


جلالة الملك محمد الخامس يتجول بسيارته المكشوفة في ساحة التحرير سنة 1957.
يظهر في الصورة السيد الهاشمي بيرو في الوسط وهو ذاكرة للمدينة وعلامة عرائشية مسجلة، يعد واحدا من أبرع وأشهر محترفي الصورة الفوتوغرافية بالعرائش، وأحد أهم المساهمين الفاعلين في خلق أرشيف فوتوغرافي للمدينة.

**********


الجمعية الخيرية الإسلامية بالعرائش
صورة لمبنى الجمعية الخيرية الإسلامية بالعرائش، وهي من المؤسسات العريقة بالمدينة ذات الصبغة الاجتماعية والأهداف الإنسانية، وهي من المرافق التي زارها الأديب اللبناني أمين الريحاني ووصف الأعمال التي تقوم بها الدار وجوانب من زواياها وذلك سنة 1937 بمرافقة الباشا خالد الريسوني


**********



ديور الحواتة بالعرائش

قام جلالة الملك الراحل محمد الخامس بزيارة رسمية ثانية لمدينة العرائش بتاريخ 22 سبتمبر 1957 صحبة نجليه سمو ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وسمو الأمير مولاي عبد الله، مرفوقا بوفد رفيع المستوى تشكل من أعضاء مجلس التاج، السادة : (محمد بن العربي العلوي، الحسن اليوسي، المختار السوسي)، ثم رئيس الحكومة السيد امبارك البكاي، رئيس التشريفات الملكية السيد المعامري، وزير الخارجية السيد أحمد بلافريج، الوزير المكلف بالوظيفة العمومية السيد رشيد ملين، وزير العدل السيد عبد الكريم بن جلون، وزير الدفاع الوطني السيد أحمد اليزيدي، وزير الاقتصاد الوطني السيد عبد الرحيم بوعبيد، وزير الثقافة السيد محمد الفاسي، وزير الفلاحة السيد عمر بن عبد الجليل، وزير الأشغال العمومية السيد محمد الدويري، وزير الإعلام والسياحة السيد أحمد رضا اكديرة، وزير الشغل السيد عبد الله إبراهيم، وزير الصحة الدكتور فرج، وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية الدكتور بنزكين، وغيرهم ممن شكلوا أول حكومة للمملكة المغربية بعد الاستقلال.

خصص بالمناسبة استقبال رسمي وشعبي كبير لزعيم الأمة وبطل التحرير قبل أن يتوجه إلى مقر إقامته بدار اعميار سابقا حيث كانت تنتظره وضيوفه والوفد المرافق له مأدبة الغذاء، وبعدها مباشرة استقبل جلالة الملك محمد الخامس لجنة محلية تشكلت من كبار الشخصيات وأعيان المدينة قامت بتسليمه مذكرة تتضمن لائحة مطالب المدينة والإقليم وفي مقدمتها إصلاح الميناء، ثم توجه جلالته إلى حي القصبة ووضع الحجر الأساس لإعادة بناء جامع الأنوار، وبعدها توجه إلى حي البحارة (ديور حواتة) حيث سلم رحمه الله أول أربع مفاتيح للبحارة الذين استفادوا من السكن في مجموعة الدور السكنية الواضحة في الصورة التي بنتها مصالح بلدية العرائش وتولت بنفسها توزيعها على مستحقيها.

المرجع : المفضل التدلاوي. أضواء على ذاكرة العرائش. ط 2001. ص 92-93

**********

نماذج من الحياة الاجتماعية بالعرائش في القرن العشرين





**********

نادي العرائش لكرة القدم بداية الخمسينات Larache C.F




الاثنين، 31 ديسمبر 2018

تاريخنا القديم : المملكة المورية. ج4. الدبلوماسية المورية، إشكالية السياسة الخارجية

المملكة المورية وسياستها الخارجية خلال القرن الثاني قبل الميلاد

صورة تمثيلية لمجلس الشيوخ الروماني

     بقلم : محمد شكيب الفليلاح الأنجري

إن الأخبار التي وصلتنا عن الملك بوخوس الأول ومملكته بالدرجة الأولى تسجل موقف هؤلاء مما كان يدور في الساحة الإفريقية من صراعات حول العرش في المملكة النوميدية المجاورة، وصراعات اتخذت طابع المقاومة ضد التواجد الروماني سواء في شكله السياسي – العسكري أو الحضاري – الثقافي. ولم تستطع المملكة المورية المحافظة، أمام هذه الأحداث، على سياستها الموروثة القائمة على اتخاذ موقف حيادي من أي صراع يدور في المنطقة يكون الهدف من ورائه نصرة قوة أجنبية على أخرى محلية، بل نجدها تشارك وعلى غير عادتها في الصراع بين ابني مسيبسا و يوغرطة، وبين هذا الأخير وروما. ولولا ذلك لما وصلتنا أخبار عن هذه المملكة خلال نهاية القرن الثاني قبل الميلاد، ولما اهتم سالوست في كتابه "حرب يوغرطة بذكر الملك بوخوس الأول ومملكته. فالاحتكاك بالقوة الرومانية جعل للمملكة المورية مجالا في الأدبيات الأثينية. فما هو إذن، موقف المملكة المورية من تلك الصراعات التي كانت تدور بمحاذاة حدودها؟ وكيف ساهمت هذه الاضطرابات التي عرفها المسرح الإفريقي في حياد الإدارة المورية عن سياستها المعهودة تجاه الأخر الأجنبي؟ وإلى أي حد تمكنت الجمهورية الرومانية من ترويض الملك بوخوس الأول وتمهيد مملكته للاحتلال المباشر مستقبلا؟
فخلال هذه الفترة، تميزت الساحة السياسية في شمال إفريقيا بظهور صراع قوي ذو طابع سياسي بالدرجة الأولى كان الفاعل الأول فيه هو الأمير النوميدي يوغرطة، الذي سعى إلى إعادة المملكة النوميدية إلى سابق عهدها أيام جده مسينسا بعدما أصابها من تفسخ جراء التدخل الروماني في تحديد طبيعة الحكم والممارسات السياسية في البلاد؛ وذلك لتمهيد هذه الأخيرة للاحتلال وهو ما لم يكن يرضاه النوميديون. فقاوموا ذلك بشراسة افتقدت لعنصر التنظيم والوحدة بين كافة بربر شمال إفريقيا، هذت الافتقار كان من ورائه طبيعة السياسة التي نهجتها المملكة المورية، والتي كانت القوة الثانية بعد نوميديا في شمال إفريقيا، القائمة – كما أسلفنا ذكره – على الحياد الانكماش على الذات. إلا أننا سوف نلاحظ أن هذه السياسة لن تعمر طويلا في ظل ملك متطلع إلى الانفتاح على الآخر الخارجي وقوة عظمى متربصة بالجنس البربري، راغبة في تكريس ما عرف مستقبلا ببحرنا. ومن تم كان على روما أن تجد للمملكة المورية سبيلا كي تخرجها من عزلتها. كما أن المملكة لم تبقى طويلا في معزل ما يدور في الساحة الإفريقية بل نجدها تشارك مشاركة فعالة وتتخذ مما يدور حولها من صراعات سياسية وعسكرية موقفا مغايرا لما اتخذته قبل سنة 118 ق.م.
إن الحديث عن موقف المملكة المورية من الصراعات التي كانت تدور بمحاذاة حدودها هو حديث في حد ذاته عن طبيعة السياسة التي نهجها الملك الموري بوخوس الأول تجاه العالم الخارجي رغبة منه في تكسير ذلك الروتين الذي طبع السياسة الخارجية المورية. فالمتتبع للموقف الموري سواء من الصراع بين يوغرطة وأذربعل، أو بين الأول وروما سوف لن يقف على موقف واحد، بل سيجد تعددا في المواقف اقتضته الطبيعة المتداخلة لما كان يجري خارج الحدود المورية. كما أن الأحداث الداخلية كان لها دور فعال في ذلك بما عرفته من انقسام في الرأي بين معارضين لسياسة الانفتاح على روما، مساندين لهذه الأخيرة.
لقد خاض، كما سبقت الإشارة إليه، الأمير النوميدي يوغرطة صراعا مريرا ميز التاريخ القديم لشمال إفريقيا، وذلك في شقيه، الأول ضد أذربعل حول مسألة تولي العرش النوميدي، والثاني ضد روما الذي اتخذ طابع المقاومة ضد الرومنة.زكما هو معلوم، لدينا معلومات صريحة وصلتنا عن المؤرخ سالوست حول موقف المملكة المورية من الصراع الذي خاضه يوغرطة قي شقه الثاني ضد روما، إلا أننا لا نتوفر إلا على إشارات تكاد تكون غامضة حول موقف هذه المملكة من الصراع السالف في شقه الأول حول العرش النوميدي. ويبدو أن يوغرطة كان يخطط، قبل دخوله الحرب ضد أذربعل،لجعل الملك الموري بوخوس الأول يقف في صفه، وهو ما يمكن ان يفسر البعد السياسي لتلك المصاهرة التي تمت بينه وبين الملك الموري في وقت كانت فيه العلاقات بين يوغرطة وروما جد حسنة وذلك بعد التنويه والإعجاب الذي حظي بهما الأمير النوميدي لما قدمه لها من خدمات عظيمة في حرب النومانس سنة 133 ق.م، ولولا هذا الود الذي طبع العلاقات النوميدية – الرومانية لما تمت تلك المصاهرة إذ علمنا أن الملك بوخوس الأول كان حتى تلك الآونة محافظا على السياسة الخارجية لسلفه. إن هذه العلاقة العائلية بين يوغرطة وبوخوس الأول لا تجعلنا نجزم بأن هذا الأخير يكون قد وقف إلى جانب الأول ضد أذربعل؛ خصوصا إذا ما صدقنا ما جاء به سالوست حول الوضع المهين الذي كان للمرأة البربرية في مجتمع شمال إفريقيا والذي لا يسمح لجعل من مفهوم المصاهرة رباطا سياسيا وحلفا عسكريا. إلا أن هناك إشارة جد واضحة تدل على أن المملكة المورية كانت تقد إلى جانب يوغرطة ضد أذربعل انطلاقا مما صرح به هذا الأخير أمام مجلس الشيوخ الروماني، حيث قال: " ... هل أتجه للشعوب والملوك الذين جعلتهم صداقتنا لكم أعداء لبيتنا..." فالنص وإن كان لم يذكر لنا يحدد لنا أسماء الشعوب والملوك بالتحديد الذين قصدهم أذربعل بخطابه، إلا أننا نرجح أنه كان يعني المملكة المورية لأنها المملكة الوحيدة المعروفة في شمال إفريقيا إلى جانب نوميديا، وهي الوحيدة التي يعنيها أمر هذه الأخيرة. وبالإضافة لهذا، فإن المملكة المورية عرفت ومنذ عهد ملكها باكا بمساندتها للأمراء والملوك النوميديين متى انتزع منهم حقهم وذلك في إطار محلي دون الدخول في صراعات مع القوى الخارجية، ومن ذلك مساندة الموريين لسيفاكس ضد ماسينسا الذي شارك في الحملة التي شنتها قرطاجة عليه. ومآزرة الأمير النوميدي ماسينسا في الدفاع عن حقه المشروع وهو استرداد مملكته. وإذا علمنا أن الأمير النوميدي يوغرطة كان له الحق في تولي العرش النوميدي وفقا تقليد وعرف محلي يقضي بتولية الحكم لأكبر أفراد الأسرة الملكية سنا، جاز لنا أن نعتبر أن بوخوس الأول اتخذ موقفا معاديا لأذربعل، خصوصا بعدما التجأ هذا الأخير لطلب العون والمساندة العسكرية من روما.


نرى إذن كيف أن الموقف الموري من الصراع الذي كان يدور في نوميديا حول مسألة تولي العرش كان موقفا غامضا، فلا تسعفنا النصوص التاريخية الكلاسيكة على تبينه بجلاء، إلا أننا نستطيع القول، من خلال تلك الإشارات التي أوردناها، أن الموريين ساندوا يوغرطة وفقا لتقليد محلي عريق لكي يتربع على عرش أجداده الذي أحق به تبعا لقانون وأعراف تولي الحكم بنوميديا، وسنرى كيف ان المملكة ستتخلى عن مساندة هذا الملك النوميدي عندما سيدخل في صراع مع قوة أجنبية (روما) وذلك لاعتبارات سياسية اقتضتها مصلحة بقاء المملكة المورية أمام قوة الجيوش الرومانية.
نفتقر للدليل التاريخي، سواء في شكله الأدبي أو الأثري، عن الأسباب التي أدت إلى توثر العلاقات بين بوخوس الأول ويوغرطة قبل دخول هذا الأول في الصراع النوميدي – الروماني، فلا نعرف على وجه التحديد السنة التي تم فيها اجتياح الجيوش المورية للغرب النوميدي ولا سبب ذلك، ولولا مشاركة الملك الموري في الصراع الذكر لما أطلعنا المؤرخ الروماني سالوست على أخذ بوخوس الأول للغرب النوميدي بحد السيف. ولعل رغبة هذا الأخير في الانفتاح على روما هو ما جعله يعادي الأمير النوميدي، حتى يتمكن من ترميم التصدع الذي كانت تعرفه المملكة المورية؛ والذي كان يوغرطة السبب فيه، وذلك بإعلان عدوا شعبا عموميا عن طريق افتعال الحرب ضده. وفي هذا الصدد نجد بلوتارخوس يشير إلى العداوة التي كانت بين يوغرطة وصهره الموري، وإلى كون هذا الأخير كان يخاف من تطلعاته ويكره ذلك. كما ان هناك من يفسر سبب الاستيلاء الموري على الغرب النوميدي بالرغبة في التوسع خاصة وأن المملكة المورية لم تكن لها مجالات ترابية مهمة لتحقيق ذلك بعيدا عن يوغرطة والأرض النوميدية، فهي من ناحية الغرب تحد بالمحيط الأطلسي أو ما كان يعرف آنذاك ببحر الظلمات الذي كان يجهل ما وراءه، ومن جهة الشمال كانت تحد بمضيق أعمدة هرقل حيث توجد في العدوة المقابلة للمملكة المورية القوة الرومانية، ومن جهة الجنوب كانت هناك أراضي الجيتول والإثيوبيين؛ حيث الصحاري والمجالات القاحلة التي لا يمكن أن تستفيد منها المملكة المورية في شيء. ولذلك لم يكن أمام بوخوس الأول إلا الشرق حيث المملكة النوميدية المنهوكة القوى من جراء ما عانته في حروبها، وكذا المجالات الزراعية والرعوية التي يمكن أن تغري المتطلعين لتوسيع أعمالهم التجارية والاقتصادية، الذين كانوا يقفون في صف الملك الموري ويحثونه على غزو الأراضي النوميدية ويبدون استعدادهم لتمويل الحملات العسكرية.
لقد أظهر الملك الموري رغبته في صداقة روما قبل التواطئ معها على اعتقال يوغرطة بزمن بعيد، ففي سنة    ق. م أوفد بوخوس الأول سفراء إلى مجلس الشيوخ طالبا عقد حلف معهم، إلا أن هذه العملية لم تتم ويرد ذلك سالوست إلى تدني المستوى الخلقي وتفشي الرشوة بين أعضاء مجلس الشيوخ، الشيء الذي حال دون قيام هذا الحلف وعقد هذه الصداقة، إلا أننا إذا استقراءنا ما جاء به سالوست حول موقف الحزب الشعبي الديمقراطي من احتلال بوخوس الأول للغرب النوميدي، والذي دون شك قوبل بالرفض من قبل أنصار هذا الحزب، وربطنا ذلك بطلب المملكة المورية الحلف مع روما أمكننا أن نستنتج أن سبب فشل هذه السفارة لا يعود لما قاله سالوست وإنما يعود إلى تشبث روما بحقها الشرعي في نوميديا، وهو ما أكده أذريعل في خطابه أمام مجلس الشيوخ الروماني. هذا من جهة، ومن جهة أخرى عدم موافقة بوخوس الأول عن التنازل عما أخذه بقوة السلاح، يكون بذلك سبب فشل هذه المفاوضات يعود لعدم رضا الجانب الموري والروماني بشرط كل منهما والذي كان يدور حول الغرب النوميدي. كما ان ما قلناه يمكن أن يوحي لنا أن سبب غزو بوخوس الأول لهذه المنطقة هو كونه أراد أن يفاوض روما في طلب الحلف والصداقة من موقع قوة وكونه حارب عدوها وبالتالي فإن له فضلا عليها.
بعد فشل هذه المناورات الدبلوماسية المورية، نجد بوخوس الأول ينكمش على ذاته ويعود لنهج سياسة أجداده الحيادية وكان هذه الأخيرة هي الدرع الواقي للمملكة متى أحست بالخطر الأجنبي. ومما يدل على التجاء بوخوس الأول للحياد في الصراع النوميدي – الروماني في هذه الفترة كونه استقبل تارة لاجئين رومان فارين من نوميديا، وتارة لاجئين نوميديين فارين من يوغرطة. لقد كان فشل المفاوضات المورية – الرومانية بدون شك في صالح الأمير النوميدي يوغرطة؛ الذي سعى بكافة الوسائل إلى الحصول على دعم الملك بوخوس الأول في حربه ضد روما. وهكذا عمل على التقرب من خواص الملك الموري ومستشاريه وجذبهم إليه لكي يحثوا ملكهم على إعلان الحرب ضد روما. وفعلا فقد وافق بوخوس الأول على مساندة يوغرطة وفقا لشروط تم الاتفاق عليها وتتلخص فيما يلي: ضرورة عقد صلح مع روما واغتراف هذه الأخيرة بسيادة النوميدي على ثلثي 3/2 تراب مملكته، وسيادة بوخوس الأول على الغرب النوميدي الممثل في الثلث 3/1. وكانت هذه الشروط هي أساس الأرضية التي قامت عليها المفاوضات بين بوخوس الأول ميتيلوس المفاوض الذي عينته روما لهذا الغرض. إلا أن استبدال مجلس الشيوخ لهذا الأخير بالقائد ماريوس عقد مسألة التفاوض؛ فهذا الأخير كان أشد المتعلقين بالحق الروماني في نوميديا كاملا، وبالتالي لم يوافق على ما جاء به بوخوس الأول لتصل بذلك المفاوضات إلى باب مسدود، بل أكثر من هذا نجد القائد ماريوس يقدم على التقدم بجيشه داخل الغرب النوميدي حتى جدود نهر ملوية. وقد عد استيفان اغزيل هذا الاجتياح بكون روما كانت "تريد إظهار نوع من حق الملكية" في الأرض النوميدية كاملة. أمام هذا التصرف الروماني، لم يجد بوخوس الأول الحريص عما أخذه بحد السيف، من بد من الدخول في حرب ضد روما مساندا بذلك يوغرطة بدعوى الدفاع عن حقه في نوميديا الغربية. وبعد جولات حربية عدة ين الجيشين المتحالفين وروما، أحس الملك الموري بوخوس الأول بقوة هذه الأخيرة وبصعوبة التغلب عليها خاصة بعد تلك الضربة التي تلقاها يوغرطة صبيحة انتصارهم على ماريوس، ولعل قدوم ابن الملك الموري فولكس على رأس فرقة عسكرية من الجنود المشاة كمدد لجيش والده دليل على فداحة الخسائر التي تعرض لها هذا الأخير.
إن بوخوس الأول المتطلع إلى صداقة روما حتى وهو يخوض حربا ضدها، إذ كثيرا ما أظهر رغبته في السلم معها، لم يكن ليعلق مصير مملكته بمصير المملكة النوميدية، ولذلك نجده يبحث مرة أخرى عن منفذ للخروج بمملكته سليمة من هذه الورطة؛ ففي سنة 106 ق.م أرسل وفدا إلى القائد الروماني ماريوس المعسكر في سيرتا لإنهاء الشراع العسكري وفتح باب المفاوضات تمهيدا لعقد سلم مع روما، الشيء الذي استجاب له هذه المرة مجلس الشيوخ الذي قرر وضع السلاح والركون إلى المفاوضات مع يوغرطة بوساطة المملكة المورية. ولا يجب أن نفهم أن ركون روما إلى الحوار السلمي على أنه استسلام غير مباشر أمام شدة المقاومة النوميدية، بل إنها أرادت ضرب عصفورين بحجر واحد؛ فهي من جهة ستفاوض من موقع قوة مما يسمح لها يتكييف ذلك مع مصالحها في نوميديا ومورسية، ومن جهة ستحاول أن تذخر قواتها التي رغم انتصارها كانت تصاب بخسائر فادحة وكبيرة، خاصة وأنها في هذه الأثناء كانت تخوض حربا ضروسا ضد غاليا حسبما يشير إليه سالوست في الفصل الأخير من كتابه "حرب يوغرطة". كما أن مجلس الشيوخ الروماني أصبح مقتنعا بأن بوخوس الأول يشكل الورقة الرابحة التي ستضع حدا لهذه الحرب،وبالتالي كان لا بد من استمالته للصف الروماني. وهكذا بدأت المفاوضات بلقاء بين الوفد الروماني والملك بوخوس الأول، وهذا الأول تحت إشراف كل من سولا ومينيلوس اللذان عبرا عن رغبة روما في ربط علاقات طيبة مع المملكة المورية، مشيرين إلى الخطأ الذي اقترفه بوخوس الأول بمساندته ليوغرطة ضدهم. كما حاول الملك الموري من جانبه تبرئة نفسه من هذا الخطأ وأنه ما قام ضد روما إلا ردا على الإهانة التي لحقت سفارته إليها سنة 111 ق.م، وأيضا لتعدي القائد ماريوس على أرض أصبحت تابعة له بحق الاستيلاء، وكأن بوخوس الأول يحمل روما مسؤولية تصرفه الأخير ضدها، ورغب بعد هذا بإرسال وفد إلى مجلس الشيوخ الروماني لطلب الحلف والصداقة، وفعلا تم ذلك وحظي الملك الموري بعفو روماني، إلا أن مشكل الصداقة والحلف بقي معلقا وغامضا؛ ذلك أن الإجابة التي وصلت الملك بوخوس الأول رغم غموضها تنطوي على رغبة روما في تسخير هذا الأخير للقبض على يوغرطة الأمير النوميدي، يقول سالوست في هذا الصدد: "... فأجيب الوفد الموري بهذه العبارات: إن مجلس الشيوخ والشعب الروماني لا ينسون الإحسان والإساءة، ولكن حيث أن باخوس يندم على ذنبه فنحن نوافق على الصفح عنه وسينال حلف الشعب الروماني وصداقته عندما يستحقها...". و لهذا نجد بوخوس الأول يطلب من سولا الحضور إليه للتباحث في "مصالحهما المشتركة"، واستجاب هذا الأخير لطلب الملك الموري وحضر لمعية ابنه فولكس، وفي لقائهما أفضى سولا إلى بوخوس الأول رغبة روما في أن يسلمها يوغرطة كتعبير عن صدق نواياه تجاه الجمهورية الرومانية.

الملك الموري بوخوس الأول

لقد كان طلب سولا بمثابة مفاجأة غير متوقعة بالنسبة للملك الموري الذي أبدى رفضه التام لهذا الطلب وحاول أو يعفي نفسه منه بذكره لروابط القربى والمعاهدة التي بينه وبين الأمير النوميدي، بل إن وقع هذه المفاجأة جعلته يفكر في العودة لسياسة الحياد والانكماش داخل الحدود الأصلية للمملكة المورية، وأبدى رغبته في التنازل عن الغرب النوميدي وتراجعه عن حلفه مع يوغرطة وأن يترك لروما محاربته كما تشاء، وكأن بوخوس الأول هنا ندم على ثورته ضد السياسة لخارجية لأجداده القائمة على مبدأ الحياد.
إن تراجع بوخوس الأول عن مشاركته في الصراع النوميدي – الروماني هذه الرمة لن يكون سهلا؛ إذ أن هناك طبقة اجتماعية مورية تساند يوغرطة ضد روما، هو ما يمكن أن نستشفه من خبر لسالوست عند حديثه عن رد فعل بوخوس الأول لتلبيته الطلب الروماني حيث يقول:"إن هذا الإخلال بعهده يغير عليه قلوب رعاياه الذين يحبون يوغرطة بقدر ما يكرهون الرومانيين". وهذه الطبقة سوف ترفض التراجع عن مساندتها للملك النوميدي، كما أن روما لا يمكن أن تسمح للملك الموري أن ينهج هذه السياسة بعدما تمكنت من أن تجد لنفسها دورا في السياسة المورية؛ فبوخوس الأول وجد نفسه يغوص في تناقض خطير أفضى به، بعد تردد طويل، إلى قبول تلبية الشرط الروماني للحصول على صداقة وحلف روما خاصة وأن مستشاروه كانا بدورهم إلى جانبها بعدما أغرتهم هذه الأخيرة بالأموال.
وهكذا تم التآمر على يوغرطة والإيقاع به بعد أن استدعاه الملك الموري للاجتماع به بدعوى التباحث في مصالحهما المشتركة وذلك سنة 105 ق.م مجردا من سلاحه الشيء الذي يدل على أنه كان ينوي السلم وجاء بنية سليمة لمقابلة حليفه وصهره. فهل كان يوغرطة – الأمير النوميدي الذي أرهق الجيوش الرومانية – يحمل تصورات ساذجة لهذا الارتباط بينة وبين بوخوس الأول والذي كان السبب الأول والرئيسي في هزيمته؟
إن التصرف الذي صدر عن الملك الموري يعد في حد ذاته تصرفا خطيرا، فتسليمه لملك بربري له مكانته داخل مجتمع شمال إفريقيا لأيدي أعداء هذا الأخير كان من شأنه أن يثير حوله ثورات وانتفاضات عدة قد تتسبب في تقويض ملكه وضياع عرشه، ولا يمكن أن يكون بوخوس الأول قد تجاهل هذا الأمر وهو يرد بالموافقة على طلب سولا، بل كان يعلم علم اليقين ما هو مقدم عليه من جراء فعلته هذه وهو ما سنحاول التطرق إليه في موضوع آخر مستقل بذاته.
يبقى أمامنا تساؤلا قليلا ما يثيره الباحثون والدارسون المحدثون، وبتعلق الأمر بهل يمكن اعتبار ما قام به الملك بوخوس الأول خيانة تجاه قوميته البربرية؟
إن الإجابة على هذا السؤال يجب أن تنطلق من سؤال لا يقل أهمية عن هذا الأول، وهو لماذا سلم بوخوس الأول يوغرطة لروما في وقت كان من الممكن لو بقي على حلفه مع الملك النوميدي لقويت جبهتهما ضد العدو الأثيني، خاصة وأن الملك الموري كانت بين يديه غنيمة جد مهمة بالنسبة لروما تجعله يفاوضها وحليفه من موقع قوة؟
إن المساندة والدعم البربري الذي حظي به الأمير النوميدي يوغرطة في صراعه ضد القوات الرومانية سواء من قبل النوميديين أو الجيتوليين أو الموريين دفع بعض الباحثين إلى الاعتقاد أنه كان يخطط لتوحيد الجبهة البربرية في شمال إفريقيا ضد روما، ولعل هذا ما خاف منه الملك الموري بوخوس الأول لأنه من شأنه أن يهدد مملكته في حالة انتصاره، خاصة وأن الملك الموري قبل سنة 111ق.م كان قد أبدى تخوفه من تطلعات صهره النوميدي يوغرطة السياسية والعسكرية في المنطقة.
ويشير المؤرخ سالوست بخصوص دوافع تسليم باخوس الأول للملك النوميدي؛ أنه فعل ذلك لخوفه من انتقام القوة الرومانية منه إذا ما سلم سولا ليوغرطة. فسالوست قدم لنا هنا دليل إدانة الملك الموري بالخيانة، لكنه في نفس الوقت يبرؤه منها حين يقول: " إن العاطفة كانت تخاطبه ضدنا..." وهذا يحملنا على القول أن ما قام به بوخوس الأول كان رغما عنه لكونه قد وجد نفسه أمام أمرين أحلاهما مر؛ فبين يديه غنيمتين: يوغرطة الذي تطالب به روما حتى يتسنى لها السيطرة على المملكة النوميدية بأقل خسائر تذكر، وسولا الذي يطالب به يوغرطة ليفاوض روما في أمر السلم من موقع قوة. وكان على الملك الموري أن يحكم عقله أمام هذه المشكلة التي يحدد حلها في الأصل مستقبل المملكة المورية، فوقع رأيه على تسليم النوميدي للقائد ماريوس بعد تردد طويل، وهو ما يفسر تخوفه من قيام جبهة مورية داخلية ضد تصرفه.
على أية حال،فمهما حاولنا من جهد في بناء صورة كاملة عن الظروف التي أحاطت بالملك الموري وأثرت في إتخاذه لهذا القرار، سنبقى عاجزين عن ذلك، لأنه لا يمكننا في الدراسة التاريخية، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالشخصيات ذات الوزن التاريخي، أن نلم بالظروف النفسية والنوازع السيكولوجية التي أثرت فيها وساهمت في صياغة تصرفاتها والتي يكون لها بالغ الأثر على مستقبل الشعوب التي تقع تحت مسؤولية تدبيرها.
إلا أنه مع ذلك، يمكننا القول أن بوخوس الأول فعل ما فعله نتيجة اعتبارات سياسية اقتضتها مصلحة بلاده من الوجهة التي كان ينظر منها إليها، ولا يمكن لومه أو وصفه بالخيانة لبني جلدته البربر، فمصلحة مملكته وضمان استقلالها النسبي كان هو الهاجس الأول والأخير للملك الموري أمام رغبة القوة الرومانية التي كانت في أوج عنفوانها وبأسها. لكن ذلك لم يشفع له عند العديد من الدارسين والباحثين الذي وصفوه بالخيانة وغياب روح القومية البربرية لديه، ومنهم المؤرخ شارل أندريه جوليان وغيره، وإن كانت أحكامهم تؤخذ بتحفظ لطبيعة كتابتهم التاريخية الاستعمارية الموسومة بكثير من التحامل على البربر (الأمازيغ) وتاريخ الشعوب التي كانت هدفا لعملياتهم الإمبريالية.                       

المراجع:
·        عبد الهادي التازي، " التاريخ الدبلوماسي للمغرب منذ أقدم العصور إلى اليوم"، مطابع فضالة، المجلد الثالث، المحمدية، 1978.
·        حول المراسلات بين بوخوس الأول وميتولوس يشأن التفاوض أنظر الصفحة 83 من كتاب حرب يوغرطة.
·        G.CAMPS, « l’Afrique du nord ou féminin : Héroïnes du Maghreb et du Sahara », Perrin, Paris, 1995.
·        M. Tarradelle, « Marruecos Punicos », Editorial Cremades, Tetouan,1960
·        J.Carcopino, « Les étapes de l’impérialisme romaine », Hachette, Paris, 1961
·        F.Decret et M.Fantar, « l’Afrique du nord dans l’antiquité, histoire et civilisation », Patot,Paris, 1981
·        S.Gsell, « Histoire ancienne de l’Afrique du nord », Vol 08,Hachette, Paris, 1913.
·        محمد القصري، "مذكرات من التراث المغربي"، الجزء الأول، مطابع الأطلس، الرباط، 1984.
·        عبد اللطيف أحمد علي،" التاريخ الروماني عصر الثورة"، دار النهضة العربية، بيروت، 1973.
·        شارل أندريه جوليان، "تاريخ إفريقيا الشمالية"، ترجمة محمد مزالي والبشير بن سلامة، الدار التونسية للنشر، الجزء الأول، 1978.
·        محمد الهادي حارش، "التطور السياسي والاقتصادي في نوميديا منذ اعتلاء مسينسا العرش إلى وفاة يوبا الأول"، رسالة ماجستير  في التاريخ القديم، جامعة الجزائر، معهد التاريخ، 1985.
·        سالوست، "حرب يوغرطة"، ترجمة محمد التازي سعود، مطبعة محمد الخامس الجامعية والثقافية، فاس، 1979.
·        عبد الله العروي، "مجمل تاريخ المغرب"، الجزء الأول، المركز الثقافي العربي، الطبعة الخامسة، الدار البيضاء، 1996.
·        محمد مجدوب،" الموريين وعلاقتهم بروما إلى غاية 33 ق.م"، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الأداب، فاس، 1990.
·        محمد مجدوب،" أضواء على أوضاع مورسية من خلال حرب يوغرطة"، مجلة بحوث، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، العددان 2.3، المحمدية، 1990.
صورة القنصل والقائد الروماني سولا الذي قاد المفاوضات مع بوخوس الأول لتسليم يوغرطة، رأس الثمثال يوجد بمتحف ميونيخ

صورة القائد ماريوس الذي ألقى القبض على يوغرطة

 الملك ماسينيسا موحد مملكة نوميديا

يوغرطة ملك نوميديا ولد سنة 160 ق.م ، وتوفي سنة 104 ق.م