الخميس، 6 ديسمبر 2018

فندق زلجو بالعرائش

فندق زلجو. مؤسسة اقتصادية في خدمة الدين والعلم


    محمد عزلي

نزل السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله مدينة العرائش عام 1765م مباشرة بعد المعركة البحرية التي دُحر فيها الأسطول الفرنسي على يد المغاربة المسلمين في مياه الساحل الأطلسي ومصب وادي لوكوس بثغر العرائش في 25 و26 يونيو من نفس العام، وخلال هذه الزيارة التاريخية الهامة والتي استغرقت شهرا كاملا أمر السلطان المجاهد ببناء العديد من المؤسسات والمباني والمرافق الضرورية للحياة المدنية والعسكرية بالعرائش كان أبرزها دار السكة، المسجد الأعظم ومدرسته، ثم المرافق النفعية الموقوفة لفائدتهما من قبيل السوق الصغير وفندق زلجو.
بني فندق زلجو عام 1183هـ / 1769-1770م وهو كما جاء في النقيشة الرخامية التخليدية الموضوعة فوق باب البناية، وقف مخلد وحبس مؤبد يصرف مستفاده على مصالح المسجد الأعظم، وهذا نص النقيشة [الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما أمر ببناء هذا الفندق المبارك مولانا أمير المؤمنين المجاهد في سبيل رب العلمين سيدنا ومولانا محمد بن مولانا عبد الله بن مولانا إسماعيل خلد الله نصره وأسمى جلاله وقدره جعله أيده الله على المسجد الأعظم بالثغر العرائشي وقفا مخلدا وحبسا مؤبدا يصرف بمستفاده على مصالح المسجد المذكور وتقبل الله من سيدنا عمله وبلغه في الدارين قصده وأمله وكان الجزاء من تشييده عام ثلاثة وثمانين ومائة وألف ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم][1].
تكاد تجمع الروايات الشفهية على أن اسم الفندق عرف تداولا بين الساكنة المحلية ب (الفندق د زلجو) وهو منطوق عامي محلي جبلي يعني (الفندق الذي زلجوه) أي أضافوا إليه الزليج، ثم حذفت الدال الوسطى كذلك تداولا مع مرور الزمن ليصبح اسمه فندق زلجو، والراجح أن الاسم أخد في فترة ترميم أو صيانة تم فيها إضافة الزليج، حيث أنه لم يكن منذ البداية زمن الإنشاء وهو الانطباع المأخوذ من صياغة التسمية، كما أن النقيشة التخليدية فوق الباب الرئيسي عند إنشاء المبنى لم تشر أبداً لهذه التسمية. 
كان الدور الوظيفي لفندق زلجو اقتصادي، حيث جهز لاستقبال النزلاء من الرحل والبدو والمسافرين ببهائمهم وسلعهم وكل ما تحمله قوافلهم، كما عرف بمحلات وحوانيت تجارية وحرفية وخدماتية (حلاق، طراف، خياط..)، وقد حافظ الفندق على دوره الوظيفي إلى غاية العقود الأولى من القرن العشرين حيث تطورت الخدمة الفندقية بفضل التدخل الإسباني الذي رمم المبنى وأضاف عليه لمساته العصرية، بما في ذلك الجناح الفندقي بالطابق العلوي الذي جُعِل له باب خاص به في زنقة الصدر الأعظم، وأطلقوا عليه اسم الفندق المركزي Hotel Central [2]. لكن فندق زلجو بعد الاستقلال لم يحظى للأسف بالعناية اللازمة ولم يتم استغلاله بشكل يتناسب مع قيمته التاريخية والمجالية والاقتصادية مما جعله في النهاية غير قادر على المنافسة، ليقتصر دوره على إيواء طلبة العلم التابعين للمدرسة القرآنية للمسجد الأعظم، وكذلك لمعهد التعليم الأصيل والذي كان يسمى سابقا المعهد الديني[3]، ثم نال منه الإهمال منصبا جعله في نهاية القرن العشرين مخربا، جدرانه تتداعى مهددة سلامة السكان والعابرين. نزلت بالفندق أسماء كبيرة من سماء الدين والعلم والأدب والرحلة من المغاربة والأجانب، ولعل أشهرها كان الروائي العالمي محمد شكري الذي درس وتعلم بالعرائش وتخرج منها معلما وأديبا كونيا ترجم خبزه الحافي إلى 41 لغة كإنجاز لم يسبقه إليه أحد من رواد الفكر والأدب بالمغرب.
يقع الفندق بين باب المدينة وباب القبيبات، وهو بناء من طابق أرضي وآخر علوي تبلغ مساحته 1308 مترا مربعا[4]، بابه الرئيسي بسيط الشكل يزينه عقد هلالي كان مزخرفا بقويسات* اختفت بعد الترميم، وهو مشرف على السوق الصغير، يتوسط الفندق فناء مركزي مساحته 82 مترا مربعا* تحيط به أروقة ذات عقود قبابها نصفية* توجد خلفها مجموعة من الغرف. أصبح للفناء اليوم غطاء شفاف قابل للفتح بعد أن كان مكشوفا قبل التدخل الشامل الذي قامت به وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المبنى عبر مشروع ترميم وإعادة تأهيل عرفت سنة 2018 لمساته النهائية، وقد عرض في نفس السنة بمزاد علني عملية كرائه كاملا في مناسبتين أسفرت آخرها على مستفيد جديد من أبناء مدينة العرائش بقيمة مالية قدرها 13000 درهم شهريا. كما تم كراء المحلات الخارجية والجناح الفندقي الخارجي بنفس الطريقة، إنما لمستفيدين آخرين وبشكل منفصل عن المبنى الرئيسي. 


مراجع
[1] انظر صورة النقيشة ضمن المرفقات
[2] 1908 Carte de Eugène Aubin
[3] المفضل التدلاوي. أضواء على ذاكرة العرائش.ط 2001. ص227
[4] G.DUCLOS BAUTISTA y P.CAMPOS JARA, vol.2, MI.11.I
* د.إدريس شهبون. العرائش في تاريخ المغرب قبل عهد الحماية: جوانب من الحياة السياسية والاقتصادية والعمرانية. مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية سلسلة تاريخ المغرب 2014. ص 295-296






النقيشة التشويرية المخلدة لبناء فندق زلجو





































الاثنين، 26 نوفمبر 2018

وثائق تاريخية من خزانة المصباحيين


محمد عزلي

في إطار تنشيط البحث التاريخي حول مدينة العرائش وأحوازها كأحد الأهداف الأساسية لجمعية أرشيف العرائش لتوثيق التراث الثقافي والبحث التاريخي، واستكمالا للبحث الجاري في المصادر التاريخية المكتوبة، المغربية منها والأجنبية، المتعلقة بسيرة لالة منانة وأسرتها المصباحية، لازالت اللقاءات تتوالى تباعا مع السيد سعيد بن محمد بن جلول المصباحي العبدلاوي مقدم زاوية مولاي عبد الله دفين قرية اكلا جَدُّ الولية الصالحة لالة منانة بنت الجيلالي دفينة العرائش، ومن المنتظر استئنافها بحضور عناصر أخرى تمثل الفروع الأربع (العبدلاويين / الشاهديين / الزبيريين / الدعادعة).
اللقاءات السابقة لم تقتصر على العبدلاويين، وإنما عرفت حضور الشاهديين أيضا في شخص سيدي احمد بن محمد بن قدور بن محمد بن مصطفى بن (سيدي احمد الشاهد المصباحي دفين بلدة مولاي بوسلهام)، وقد أثمرت هذه الجلسات العديد من النتائج الطيبة منها إماطة اللثام عن بعض الألغاز التأريخية، والحصول على نسخ بعض الوثائق والربائد التاريخية من قبيل الرسائل والظهائر الشريفة من خزانة سيدي سعيد المصباحي والتي من شأنها تأمين تقدم البحث بشكل أكثر صلابة ودقة، وحرصا منا على مساعدة الباحثين والمهتمين بالتاريخ للوصول إلى المعلومة والوثيقة والمصدر التاريخي، نضع بين أيديكم صورا لبعض الوثائق، مع الإشارة على أن المجال مفتوح للتنسيق والتعاون.













الصور بعدسة ذ.سعيد الشنتوف

الثلاثاء، 20 نوفمبر 2018

الأستاذ الصباري

الصيباري، معلم مع إيقاف التنفيذ


بقلم : محمد عزلي

اسم الشهرة: (الأستاذ الصباري) أو (با الصباري)
الاسم في بطاقة التعريف الوطنية : محمد بن الموريد
ولد الأستاذ الصيباري بحي جنان قريور في العرائش سنة 1946 من أب يدعى بوسلهام بن الموريد وأم تدعى عائشة الصباري وبسببها كان يناديه الجميع مند صغره بولد الصيباري نسبة لأمه إلى أن اشتهر به وبقي مرتبطا بهذا الاسم طوال حياته. ترعرع في نفس الحي ببيت عمته فاطمة زوجة السيد يدر السوسي، بدأ مشواره الدراسي فيما كان يعرف بالسكويلا فرانسيس بمعنى المدرسة الفرنسية (مدرسة محمد الخامس حاليا)، ثم انتقل إلى مدينة سيدي قاسم لإتمام دراسته باللغة الفرنسية في غياب ثانوية متخصصة بالعرائش، عاد لمدينته حاملا شهادته ومعها رصيد معرفي وسلوكي، رفقة جيل متميز من أبناء العرائش مثل (عبد الصمد الناظر، محمد الناظر، الشرادي، القصري، سيدي ادريس وأخوه يونس) حيث استفاد الجميع حينها من الرعاية النموذجية والمنحة الدراسية، وقد عرفت هذه الفترة تحديدا بداية مرض جهازه التنفسي حيث خضع لفترات علاجية كانت أطولها تلك التي نزل فيها بمستشفى مدينة آزرو لأزيد من شهرين.
وبعد فترة من عودته لمدينته العرائش التقى سنة 1970 معلمه الأستاذ بنحساين الذي أصبح مفتشا بنيابة التعليم في العرائش آنذاك وهو من أقنعه بالتدريس، فبدأ مشواره المهني القصير سنة 1971 ببني عروس قبل أن ينتقل إلى شفشاون، وبعدها عاد إلى العرائش ليمارس المهنة النبيلة بمدرسة ابن خلدون كمعلم لمادة اللغة الفرنسية والحساب.
توقف الأستاذ الصباري عن التدريس في منتصف السبعينات لأسباب منها صحية حيث أن المرض نفسه أجلسه فترة طويلة في بيته، ومنها إدارية حيث لم يتلقى تفهما ومرونة وتعاونا من الإدارة الوصية آنذاك، وهو الأمر الذي فرض عليه الاكتفاء بدروس التقوية في بعض المنازل التي كانت تجتمع فيها مجموعات من التلاميذ وكانت أبرزها بالنسبة للصباري دار الشعيبي "السانطو". يشهد العديد من تلامذة الصباري أنه كان من أفضل أساتذة الفرنسية بالمدينة وقد اكتسبت دروسه الخاصة هذه بالعرائش شهرة واسعة وسمعة عالية في السبعينيات والثمانينيات، لكن هذه الدروس وحدها لم تكن كافية لإعالته مما جعله يشتغل مع الإسباني بيبي صاحب محطة البنزين BP والتي كانت متواجدة بساحة 20 غشت أو "كواترو كامينو" إلى أن تم إزالتها.
انتقل محمد بن الموريد الشهير بالصباري في منتصف الثمانينات إلى حي جنان كاستييل ليتحول من الأستاذ الصباري إلى با الصباري، فسكن الكوخ الذي ورثه عن والده بوسلهام وتزوج فيه من السيدة رشيدة وعاشا معا دون أن يرزقهما الله بأبناء على تجارة بسيطة في محل صغير جداً لا يتعدى في مساحته المترين. وقد عرفت هذه المرحلة من حياته بتفاعله مع الحركة النضالية لحزب الاتحاد الاشتراكي، حيث كان يتردد على مقر الحزب الكائن بشارع الحسن الثاني، كما ساند المرحوم مصطفى القرقري في حملاته الانتخابية أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات.
يقاسي الرجل اليوم الأمرين في عافيته وكرامته، ليس لديه أي نوع من التعويضات أو  تقاعد أو تغطية صحية سوى "الرميد"، في وقت يعاني فيه من أمراض مزمنة مثل السكري وورم البروستات.

 الأستاذ الصيباري رفقة تلامذته بمدرسة ابن خلدون موسم 1973/1974

BP
محطة البنزين التي اشتغل فيها الصباري مع الإسباني بيبي

السيد عبد الإله الوديي صديق الأستاذ الصباري

الأستاذ الصباري في محله المتواضع