الأربعاء، 15 فبراير 2017

زيارة محمد الخامس الرسمية الأولى لمدينة العرائش و تحطيم حاجز عرباوة الحدودي



    محمد عزلي

 مباشرة بعد عودة السلطان محمد الخامس من المنفى إلى عرشه بالرباط يوم 16 نونبر 1955، كلف مبارك البكاي بتشكيل أول حكومة وطنية كان الهدف الرئيسي منها متابعة المفاوضات مع سلطات الحماية من أجل استرجاع استقلال البلاد، وبالفعل اعترفت فرنسا رسميا في 2 مارس 1956 باستقلال المغرب.
شهر بعد ذلك وتحديدا في 4 أبريل 1956، توجه الملك محمد الخامس على رأس وفد مغربي رسمي إلى مدريد للتفاوض في استكمال الوحدة الترابية للمملكة المغربية الشريفة، وقد مثل إقليم العرائش في هذا الوفد، الفقيه العلامة والقاضي الحاج عبد السلام ازطوط عضو المجلس الخاص للخليفة السلطاني، لتنتهي المفاوضات يوم 7 أبريل 1956 باعتراف إسبانيا الرسمي باستقلال منطقة الشمال المغربي.
قرر الملك محمد الخامس بعد هذا الفتح العظيم، العودة إلى المغرب مباشرة من بوابة تطوان، وتخصيص مدينة العرائش المجاهدة بأول زيارة رسمية ثلاثة أيام فقط بعد الاستقلال، وذلك يوم الثلاثاء 10 أبريل 1956، مرفوقا بنجليه الأمير مولاي الحسن ولي العهد والأمير مولاي عبد الله، ليستقبلوا استقبال الأبطال من الجماهير الشعبية التي احتفلت مطولا بهذا النصر وهذه الزيارة التاريخية.
حجت إلى العرائش وفود كبيرة من مختلف أصقاع الإقليم والمناطق المجاورة، وتزينت المدينة بأبهى حلة وأجمل زينة، فنصبت أقواس النصر، وعلقت الأعلام صور السلطان ولافتات الترحيب والأنوار الملونة في أهم الساحات والشوارع، كما في الأحياء ومختلف المؤسسات الإدارية والسياسية والنقابية، وقد نصبت منصة كبيرة بساحة التحرير وضعت عليها صورة كبيرة لمحمد الخامس (5/3 متر)، واصطفت حولها فرقة فتيان حزب الإصلاح الوطني، رجال السلطة المحلية، الهيأة القضائية، العلماء، الشرفاء، أعيان ووجهاء المدينة، الهيئات السياسية والنقابية، ممثلون عن المجتمع المدني والجالية الإسبانية واليهود، بالإضافة طبعا لكل أطياف الجماهير الشعبية، كما حضر أيضا من تطوان المقيم العام الإسباني والأستاذ عبد الخالق الطريس زعيم حزب الإصلاح الوطني مصحوبا باللجنة التنفيذية.
وصل الموكب الملكي حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف ظهرا إلى ساحة التحرير، ونزل رحمه الله من سيارته المكشوفة رفقة نجليه الأميرين ملقيا التحية على شعبه ثم سلم على جميع الشخصيات التي قدمت لاستقبال جلالته، رافقه الخليفة السلطاني بتطوان مولاي الحسن بن المهدي، والمقيم العام الإسباني اليوتنان جنرال غارسيا فالينيو، وكذا أعضاء حكومة صاحب الجلالة، وقد تابع من المنصة استعراضا كبيرا ورائعا، كما قبل جلالته هدايا قدمت له من طرف البلدية وحزب الإصلاح الوطني والجالية اليهودية. وفي هذه الزيارة التاريخية سيستبدل اسم الشارع الرئيسي الذي كان يحمل اسم الملكة فكتوريا ثم الجنرال فرانكو ليصبح اسمه كما نعرفه اليوم شارع محمد الخامس، كما ستستبدل ساحة إسبانيا باسم ساحة التحرير.
غادر الملك محمد الخامس مدينة العرائش في نفس اليوم متجها إلى القصر الكبير حيث تناول وجبة الغداء، فنزل بدار الباشا الملالي، ومنها توجه إلى الخضاضرة في عرباوة رفقة الأميرين، أعضاء الحكومة، الخليفة السلطاني بتطوان، المقيم العام الإسباني بتطوان، وزعماء الأحزاب السياسية والنقابات، فوجدوا في استقبالهم المقيم العام الفرنسي بالرباط، ليتم بنقطة الحدود أو (الديوانة) عملية تحطيم حاجز الحدود الفاصل بين شمال المغرب ووسطه، ليصبح المرور حرا متاحا ابتداء من تاريخ هذا اليوم 10/04/1956.



جانب من الاستقبال الشعبي الذي خصه سكان العرائش للملك الراحل محمد الخامس

جانب من الشخصيات الرسمية المغربية منها و الإسبانية التي حضرت استقبال محمد الخامس بالعرائش
 
الأستاذ عبد الخالق الطريس زعيم حزب الإصلاح الوطني مصحوبا باللجنة التنفيذية.

المنصة التي نصبت للسلطان المظفر محمد الخامس بساحة التحرير

الموكب الملكي لمحمد الخامس و نجليه الأميرين وسط مدينة العرائش

مصادر :
·        المغفور له جلالة الملك محمد الخامس 1927-1961مدونة المغرب الملكي الإلكترونية. 01 يناير 2006.
·         أضواء على ذاكرة العرائش " المفضل التدلاوي " ص [85-87.

·        بعض من الصور المدرجة في هذا المقال من الخزانة الخاصة للأستاذ محمد الحفيظي.









الأحد، 5 فبراير 2017

شارع الحسن الثاني بالعرائش


محمد عزلي

مع بداية القرن العشرين وفي سياق تنزيل مشروع "الإنسانتشي" أو (التوسعة) العمرانية خارج أسوار مدينة العرائش من قبل سلطات الاحتلال الإسباني، تمت تهيئة هذا الشارع الذي حمل حينئذ اسم "كاناليخاس" (Calle Canalejas) تكريما لروح رئيس الحكومة الإسبانية خوسي كاناليخاس مينديس الذي قتل بالرصاص في 12 من نونبر 1912، وقد كان كاناليخاس محاميا شهيرا وشخصية سياسية قيادية، تقلد العديد من المناصب الرسمية من بينها توليه عددا من الحقائب الوزارية أهمها وزارة العدل و رئاسة الحكومة، قبل أن يلقى حتفه على ناصية مكتبة كان يقتني منها كتبه وسط العاصمة مدريد برصاص أحد المعارضين الذي انتحر فور تنفيذه للاغتيال بنفس سلاح الجريمة.

وفي أواخر الثلاثينات، وبعد اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) التي آل النصر فيها للقوميين بزعامة فرانكو، قرر الأخير مكافأة حلفائه المغاربة بدعم مشاريعهم ذات الصبغة الروحية والدينية، إذ تم ترميم أضرحة الأولياء الصالحين وبناء مقرات جديدة للزوايا، وفي هذه الفترة تحديدا سيتم تغيير أسماء مجموعة من الساحات والشوارع بالمدينة لطمس معالم مرحلة الملكية الإسبانية، ومنها شارع كاناليخاس الذي سيحمل اسم "CHINGUITI" نسبة إلى شنقيط (وهي مدينة في موريطانيا حاليا)، تحمل رمزية روحية بالغة التأثير في تاريخ وثقافة المغرب الأقصى، فهي نقطة انطلاق رئيسية لحج بيت الله الحرام، ومحطة تجارية محورية بين جنوب الصحراء وشماله، شنقيط أرض الزوايا ومهد المرابطين.

أخد الشارع دورا حيويا بوصفه القلب النابض لمدينة العرائش، ومحجا لكل أطياف المجتمع، لما وفره من مرافق اجتماعية، دينية، ثقافية، وترفيهية (كنيسة ديل بيلار ومدرستها، مسرح إسبانيا، قاعة سينما إديال، مطبعة ودار نشر كريماديس، بنك بلباو، فندق إسبانيا، مكتبات، مقاهي، حانات، ومحلات تجارية عصرية..)؛ يمكن اعتبار الشارع نموذجا مصغرا لإسبانيا العصرية المتطورة، نموذجا للمدَنِيّة الحديثة وثورة الهندسة المعمارية الإسبانوموريسكية على اختلاف مدارسها "الحداثية، الكلاسيكية، النيوكلاسيكية، الإكلكتيكية، النيوعربية".

نتج عن هذا النسق في النصف الأول من القرن 20 نمط عيش ميزته التنوع والاختلاف والغنى والتلاقح بين ما هو محلي أصيل وما هو عصري هجين، ميزته كذلك الإبداع والإتقان والدقة في رسم الزخارف وتفاصيل الجمال، هذا التطور والتمدن بلغ أوجه في منتصف القرن العشرين بمدينة العرائش عموما، وهذا الشارع الشهير بين أبناء المدينة باسم "الباسيو" تحديدا، ومع استقلال المغرب سنة  1956 أصبح الشارع يحمل اسم "مولاي الحسن" ثم شارع الحسن الثاني، ورغم التغيرات التي عرفها الشارع في العقدين الأخيرين، إلا أنه لازال يحمل روحه البادية على تفاصيل عمرانه التراثي المتبقي ذو الطراز الأوربي، يشوبه الكثير من الأسى لفقدان مسرح إسبانيا وقاعة سينما إديال، وانتشار الفطريات الإسمنتية العشوائية التي لم تأخذ بعين الاعتبار مراعاة معايير الجمال والتناسق مع النمطية العمرانية المجالية.

لازال شارع الحسن الثاني إلى اليوم يعرف حيوية وحركة تجارية نشيطة، ومحج مفضل لدى الكثير من أبناء العرائش، الشيء الذي جعل القائمين على شؤون المدينة يقفلون الشارع نهائيا عن المركبات خلال مشروع التهيئة لسنة 2008 وتم تخصيصه حصريا للراجلين.


رئيس الحكومة الإسبانية كاناليخاس الذي يحمل الشارع اسمه سابقا
أخدت له هذه الصورة سنة 1901 Fotografia de Christian Franzen.

رئيس الحكومة الإسبانية كاناليخاس بعد أن تلقى ثلاث رصاصات قاتلة على ناصية مكتبة في العاصمة مدريد 12 نونبر 1912












حانة ماركيزينا

مقهى سنطرال

مقهى سنطرال

ادريس الديوري رفقة أطفاله بشارع الحسن الثاني

فندق إسبانيا من الداخل


مكتبة ومطبعة كريماديس
واحدة من أقدم المؤسسات المشتغلة في الحقل الثقافي المحلي لمدينة العرائش
 إنها ذاكرة جيدة لشارع الحسن الثاني (كاناليخاس سابقا) وجزء من أرشيف المدينة، حملت داخلها ولاتزال وثائق ومطبوعات و مخطوطات وصور غزيرة ونادرة توثق لأرشيف مدينة العرائش وما جاد به زمن الإبداع والمبدعين والشعراء والمؤرخين الأدباء والصحفيين